الإلهيّ ، من حيث إنّ البعد عن النار والاستقرار في الجنّة هو - بحسب المآل - قربٌ من الله سبحانه في الآخرة ، فترك المحرّمات وفعل الواجبات يحقّقان التقريب بالمعنى الثاني ، وربما لا يحقّقناه بالمعنى الأوّل ، وربما لهذا يرجع تعريف الشهيد الأوّل ( 786 ه - ) للفقه ؛ حيث يقول : العلم بالأحكام الشرعية العمليّة عن أدلتها التفصيليّة ؛ لتحصيل السعادة الأخرويّة « 1 » .
وسط هذا الالتباس المفترَض ، يخيّل لي بأنّ الفريقين على حقّ نسبيّاً ، فالفقه الحالي ليست فيه أيّة إشارة ( إلزاميّة ) للجوانب الروحيّة حتى يكون مقرّباً بالمعنى الأوّل ، عدا مثل باب النيّة في العبادات حيث يُشترط الإخلاص ، بينما الفقه مقرّبٌ بالمعنى الثاني ؛ لأنّه التزام بجادّة الشرع وعدم ارتكاب ما يوجب دخول العبد النار يوم القيامة ، فهو فقه خلاص ونجاة وليس فقهَ فناءٍ في الله سبحانه .
التعليق الثاني : بناء على ما تقدّم ، يمكن للفقه أن يُنتج إنساناً مليئاً بالرذائل الأخلاقيّة القلبيّة ، وفي الوقت عينه ملتزم بالشريعة بالمعنى القانوني والحقوقي اللازمَين ، لكنّ هذا الإمكان الافتراضي القائم على مقاربة البنية الفقهية والفتوائيّة في سيرورتها التاريخيّة لا يعني أنّ الفقه في هويّته التاريخيّة يُنتج إنساناً غير مقترب من الله روحيّاً أو لا يشعر بالذات الإلهيّة في حركة سلوكيّاته في الحياة ، ومعنى هذا الكلام أنّ التجربة التاريخيّة للإنسان المتديّن الفقهي تؤكّد أنّ درجة معيّنة من الإحساس بالله موجودة عنده ، وهي التي تدفعه لترك الرذائل الأخلاقيّة الجوارحيّة والذهاب نحو السلوكيّات الصالحة ، بحيث لا يظلم الناس ، ولا يشرب الخمر ، ولا يسرق ، بل يتجه نحو العبادات وبذل المال في سبيل الخير ومساعدة الفقراء والمساكين و . . فعبر التاريخ كان الفقه يوجّه أفراد الناس لينبعثوا نحو السلوك الصحيح انطلاقاً من روح أخلاقيّة ومن إحساس بانبعاث قربي من الله سبحانه ، ولا يمكننا - بمطالعة تاريخيّة - فصل التجربة الأخلاقيّة المعنويّة للفرد الملتزم فقهيّاً عن التزامه الفقهي نفسه .
صحيحٌ أنّ التجربة التاريخيّة السلوكيّة الفقهيّة لا تبلغ بالعبد عادةً مسالك الروحانيّة العليا ، لكنّها لا تُبعده أو تُفقده مراتبها الأولى ، بخلقها فضاء مناسباً .
وبناء على النقطتين المتقدّمتين ، يظهر أنّ الغزالي وسروش أصابا في تقويم الفقه في بنيته
هامش
( 1 ) ذكرى الشيعة 1 : 40 .