تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 598

مساهمون:

ص٥٩٨
خطاب نخبوي ، خاصّة عندما قدّموا رحلتهم بوصفها أمراً بالغ الصعوبة لا يصله إلا القلّة من الناس ، بما أوحى وكأنّ الرحلة الروحيّة هي رحلة موجّهٌ خطابها سلفاً لفئة قليلة من البشر ، وهذا هو مقتل بعض أشكال الخطاب الصوفي في تقديري إلى يومنا هذا على أكثر من صعيد ، ولهذا نحن نقول بأنّ الفقه الحالي عليه أن يستوعب فقه الآخرة أو العكس ، بحيث يصبح الفقهان فقهاً واحداً هو الفقه الأكبر ضمن رؤية مقاصدية روحيّة متعالية ، وتشظّيهما وتصويرهما اثنين هو الذي سبّب وما يزال الكثير من المشاكل ، حتى أنّ الغزالي نفسه لم يسعَ لدمجهما ، بل وافق على فصلهما .

6 - 3 - الفيض الكاشاني ونقده الغزالي بالهوية الاخرويّة للفقه ، وقفة وتأمّل

رغم أنّ الفيض الكاشاني ( 1091 ه - ) يوافق الغزالي والكثير من الاتجاهات الروحيّة في الإسلام في موقفهم من حالات الإفراط أو الدنيويّة التي وقع فيها الفقهاء والمتكلّمون وغيرهم ، بيد أنّه يتحفّظ على موقف الغزالي من علم الفقه وفهمه له . إنّ الفيض الكاشاني يعتبر الفقهَ علمَ المقرّبات والمبعّدات ، فيربطه تلقائيّاً بالآخرة ، وكانّه يفصله بدرجةٍ ما عن الدنيا ، فالواجبات التي يرشدنا إليها الفقه هي المقرّبات التي تقرّب العبد من الله سبحانه ، بينما المحرّمات التي ينهانا عنها هي المبعِّدات التي تبعده عنه تعالى ، فالشرعيّات تكمن هويّتها في التقريب من الله والتبعيد عنه ، لا في بناء الدنيا ومصالحها والغرق في ترتيب أمورها كما صوّر لنا الغزالي القضيّة ، وبهذا يصبح علم الفقه من علوم الآخرة لا من علوم الدنيا خلافاً لما فعله الغزالي . يقول الفيض الكاشاني : « ما ذكره أبو حامد من أوّل الفصل إلى آخره ليس على ما ينبغي ، وليس معنى علم الفقه ما زعمه ، بل هو علمٌ شريف إلهيّ نبويّ مستفاد من الوحي ليُساق به العباد إلى الله عزّ وجلّ وبه يترقّى العبد إلى كلّ مقام سنيّ ، فإنّ تحصيل الأخلاق المحمودة لا يتيسّر إلا بأعمال الجوارح على وفق الشريعة الغرّاء من غير بدعة ، وتحصيل علوم المكاشفة لا يتيسّر إلا بتهذيب الأخلاق وتنوير القلب بنور الشرع وضوء العقل ، وذلك لا يتيسّر إلا بالعلم بما يقرّب إلى الله عزّ وجلّ من الطاعات المأخوذة من الوحي ليتأتى بها العبد على وجهها ، والعلم بما يبعّد عن الله عزّ وجلّ من المعاصي ليجتنب عنها ، والمتكفّل بهذين العلمين إنّما هو