تسميته هذه في الفكر الشيعي الإمامي لتحلّ محلّها كلمة ( العرفان ) ، لتبدو كلمة - التصوّف - في هذا الفكر ذات مدلول سلبي ، وقد بلغ العرفان الإمامي - على سبيل المثال - مبلغاً كبيراً ، وتطوّر تطوّراً مذهلًا ، وحلّ أكثر من إشكاليّة يتألّم منها أبو زيد . إنّ العرفان الإمامي في القرن العشرين خرّج السيد محمد حسين الطباطبائي والسيّد الخميني والشيخ مرتضى مطهري ، كما خرّج العرفان والنزعات الروحيّة أمثال السيد جمال الدين الأفغاني ( 1897 م ) ومحمّد إقبال اللاهوري ( 1938 م ) ، وعبد القادر الجزائري ( 1883 م ) ، ومحمد أحمد المهدي السوداني ( 1885 م ) ، ممن شكّلوا بمجموعهم معالم الجمع بين دنيوية الدين وأخرويّته . إنّ تجاهل هذا التطوّر المذهل في العرفان الإسلامي هو الذي برّر لأبوزيد تسجيل ملاحظاته على تيار التصوّف ، إنّ قدرة الدمج الموجودة عند أمثال العلامة الطباطبائي بين الاتجاه العرفاني الخالص وحركيّة الحياة والانغماس في الوقت نفسه في عملية نقد تحريري للفكر الديني كان يمكنها أن تشكّل مفتاحاً لمثل أبو زيد لتسجيل ملاحظته على الخطاب الديني المعاصر « 1 » ، دون أن يبخس تياراً كبيراً في الإسلام حقّه باختزاله في اتجاه واحد ، بل وشخص واحد ، وإذا كانت تياراتٌ ما تستقي معالم طريقها من أمثال الغزالي ، فإنّ من يسمّيهم أبو زيد أصحاب الخطاب الرجعي ليسوا جميعاً على هذا الطريق ، كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق .
هذا كلّه على خطّ فهم وموقف الدكتور نصر حامد أبو زيد لنظريّة الغزالي ، وقد تبيّن لنا أنّ روح فكرة الغزالي في تقسيم العلوم وموقعيّة الفقه - بعيداً عن بعض عباراته القاسية - يمكن الموافقة عليها ، دون التورّط في الانحصار بها من جهة أو في القبول بحرفيّتها ، كما سوف يأتي توضيحه ، فقد حمّلها أبو زيد أكثر ممّا تتحمّل .
نعم ، نحن مع نصر حامد أبو زيد وغيره في نقد مسيرة الغزالي في مناهجيّة التأويل الصوفي وفي موقفه السلبي من العلوم العقليّة والطبيعيّات .
ب - أمّا ما طرحه الدكتور سروش والشيخ شبستري ، فقد صار واضحاً أنّه لم يكن دقيقاً ،
هامش
للمستصفى أبلغ الأثر في ابن رشد الفقيه ، ومن ثم فجواهر القرآن إنّما هو بحث في علوم القرآن على الأصول الصوفيّة فقط .
( 1 ) انظر حول العلامة الطباطبائي ودوره التنويري التحريري : حيدر حبّ الله ، علم الكلام عند السيد محمّد حسين الطباطبائي ، قراءة في جدل العقل والنصّ ، مجلّة الكلمة ، العدد 36 : 45 - 74 .