حيث رأينا كيف أنّ الغزالي لم يساوِ علوم الدنيا كلّها مع الفقه ، وأنّ سروش بالخصوص قد انتقى العبارات بطريقة توحي وكأنّ الغزالي يعتبر علم الفقه لا صلة له بالآخرة إطلاقاً ، مع أنّ هذا الكلام غير دقيق ، ولا حاجة هنا للإطالة والتكرار ، بل لعلّ المُراجع للنصوص التي سبق أن نقلناها يميل أكثر إلى الاقتناع بأنّ الغزالي كان يسعى لربط الفقه بالآخرة ، انطلاقاً من ارتباط الدنيا بالآخرة .
واللافت للنظر أنّ سروش نفسه يصرّح قبل طرحه فكرة دنيويّة الفقه بسنوات ، وفي موضعٍ آخر ، بأنّ الغزالي لم يكن ينكر الفقه ، كما لم يكن جاهلًا بالفلسفة ، لكنّه ينكر هذا التقدّم غير المبرّر لهما « 1 » .
والنتيجة التي نخرج بها هي أنّ الغزالي لم يكن يريد أن يكون بولس الإسلام ، فلم يستهدف حذف الشريعة وإحلال الإيمان والمعنويّة مكانها ، ولم يؤسّس عهداً جديداً إيمانيّاً مكان العهد القديم الفقهي ، بل أراد أن يموضع الفقه ، ويخلع على الحياة بُعداً معنويّاً صوفيّاً . . إنّ كتابات الغزالي تؤكّد أنّه يريد تحويل الجهود من مجرّد تصحيح السلوك الظاهري إلى جعل سلامة السلوك الظاهري مجرّد ارتداد طبيعي لسلوكٍ باطني سليم ، فإصلاح الروح ينتج عنه صلاح السلوك الظاهري ، والقوّة نحتاجها ضدّ أولئك الذين يصدر عنهم السلوك السيء نتيجة عدم صلاح قلوبهم .
إلا أنّ الغزالي - مع ذلك - أخطأ عندما تعامل أحياناً مع فكرة علم الآخرة على أنّه من شؤون الخواصّ ، فإنّ هذه الفكرة توحي بأنّ المشروع الأخروي في الدين هو مشروع فردي وتنتمي إليه فئة خاصّة مصطفاة ، وكأنّه بذاته غير متوفّر لجمهور الناس ، وهذه ثقافة صوفيّة غير صحيحة ، بينما لو جعل الغزالي السلوك الأخروي شأناً تربويّاً دينيّاً عامّاً تماماً كما هو الفقه في تعامله مع المنازعات والظاهريّات ، لتحوّل الدين إلى ظاهرة تربويّة اجتماعيّة عامّة تستهدف إصلاح القلوب وتربية السلوك الباطني الذي تنبعث منه السلوكيّات الظاهريّة الصالحة ، وسيصبح الدين علاجاً نفسيّاً وروحيّاً يؤدي إلى تكوّن الشخصية السويّة التي تنبعث منها تصرّفات لائقة . . أعتقد هذا الأمر هو الذي ورّط المتصوّفة - وربما أيضاً لأسباب تاريخيّة - في
هامش
( 1 ) انظر : تفرّج صنع : 369 .