الخامسة إذا كانت جنّية ؟ أو هل يحسب الجن من أفراد نصاب صلاة الجمعة ؟ الأمر الذي أثار سخريّة المستشرقين فيما بعد « 1 » ، أمّا علماء اللغة والتجويد و . . فقد أفرطوا في ملاحقة تحليلات وتشدّدات لا محصل من ورائها ولا فائدة عملية ترتجى منها ، شبه صفة التورّم التي نعت العلامة محمد مهدي شمس الدين علم أصول الفقه بها ، وفي خضم هذا كلّه ، شاهدَ الغزاليُ الفساد الطبقي والأخلاقي في العلماء وغيرهم ، كما يبدو ذلك كلّه جلياً من كتابه إحياء علوم الدين ، فليلاحظ نقده على الجدل والمناظرة وعلى الكلام وغيره ، ولتُلاحظ نصوصه التي نقلناها آنفاً .
ولا نريد تنزيه الغزالي فلا شأن لنا به ، وإنّما نريد تفسير موقف من هذا النوع . إنّ القيام بثورة روحيّة في مجتمع نضبت فيه القيم وجفّت فيه فائدة العلوم ليس أمراً سلبياً ، ولا يمكن أن نفهمه على مقاييس زماننا ، وإذا كانت النتيجة التي خرج بها الغزالي قابلة للنقد - وهي كذلك بالتأكيد - فإنّ هذا لا يفسّر خطوته بوصفها خطوة سلبية وارتدادية ارتجاعيّة ، ولو أنّ العلماء الذين أتوا بعد الغزالي وظّفوا مفاهيمه في سياقٍ مناسب وعصرهم لربما اختلف الأمر ، إنّ هذا هو ما تقتضيه القراءة التاريخية للفكر والتي تضعه في سياقه التاريخي الخاص .
وخلاصة القول : إنّ محاكمة النتيجة شيء ، وتفسير موقف الغزالي شيء آخر ، إنّ ما يجب ملاحظته في موقف الغزالي هو قياسه على المناخ المعاصر الذي كان بحاجة في ظل تفكّك الدولة إلى زخم روحي هائل يعيد إنتاج القيم ، وهذا ما أراده الغزالي نفسه في ذاته ومجتمعه .
لكن كأنّ أبو زيد افترض أنّ العمق الاستراتيجي للخطاب الديني المعاصر الذي يستهدف هو نقده ينتهي بأبي حامد الغزالي لهذا سلّط الضوء عليه ، فيما الأمر ليس كذلك ، بمعنى أنّ الاتجاه الصوفي والعرفاني مثّل طيفاً واسعاً اشتمل تيارات عدة بين متطرّفة ومعتدلة ، ومن الخطأ محاكمة كلّ تيارات التصوّف على أساس مدرسة الغزالي كما يقول الدكتور حسن حنفي « 2 » ، فقد تطوّر التصوّف - كغيره من الاتجاهات الفكرية - تطوّراً ملحوظاً ، بل لقد فقد
هامش
( 1 ) راجع - على سبيل المثال - : أجناس جولدتسيهر ، العقيدة والشريعة في الإسلام : 63 - 66 .
( 2 ) انظر : حوار الأجيال : 416 ؛ بل يرى حنفي في المصدر نفسه : 16 - 17 ، أنّ الغزالي نفسه لا يمكن فهمه من خلال الإحياء والمنقذ والجواهر ، فقد كان ( المستصفى في علم أصول الفقه ) آخر ما كتبه الغزالي ، وله فيه مواقف لا تبعد كثيراً عن مفهوم النص في علوم القرآن لنصر حامد أبو زيد ، وقد كان