الفكرية للغزالي أو الدفاع عنها .
علاوةً على ذلك ، نعرف جميعاً بأنّ الكثير من العلماء سعوا في مؤلّفاتهم للقول بأنّ العلم الذي اختصّوا فيه هو أشرف العلوم أو من أشرفها بحسب تعابيرهم ، فبعض المتكلّمين جعل علم الكلام أشرف العلوم « 1 » ، فيما جعل بعض الفلاسفة الفلسفةَ « 2 » ، أمّا بعض الفقهاء فأصرّوا على أنّ الفقه هو أشرفها « 3 » ، وهكذا جعل الأصوليون علم الأصول « 4 » ، وجعل المفسّرون التفسيرَ كذلك « 5 » ، لقد كانت هذه نزعة شاملة بقيت حتى حقبات متأخرة ، وإذا كان الغزالي قد قسّم العلوم جاعلًا معرفة الذات الإلهية أرقاها ، فهو قد مارس تطبيقاً لظاهرة عامة ، ولم يبتكر شيئاً من العدم .
وحصيلة الكلام ، إنّ مجرّد تقسيم الغزالي العلوم تقسيماً كالذي أسلفناه لا ينبئ عن مشكلة ، نعم في فكر الغزالي مشاكل أخرى تصبّ في المآزق التي يبحث عنها أبو زيد ، ويشترك الغزالي في بعضها مع التيار الصوفي عموماً وهي خارج إطار بحثنا الساعة .
إلى جانب هذا كلّه ، فإنّ نقد الغزالي لبعض العلوم كالكلام والفقه ، يجب فهمه في سياقه التاريخي ، ولا يصحّ تفسيره بعيداً عن هذا السياق ، لقد أقرّ أبو زيد بملاحظته إحياء علوم الدين والمنقذ من الضلال و . . بأنّ الغزالي كان ردّة فعل على الواقع القائم ، لقد بلغت المجادلات الكلامية مبلغاً مفرطاً قسّم المسلمين وأغرقهم في جدل لا نتيجة من ورائه ، كما بلغ تطوّر الفقه حداً دفع الفقهاء إلى ملاحقة مسائل هامشية أضاعوا بها أعمارهم من قبيل هل يجوز الزواج من
هامش
( 1 ) يُفهم من العلامة الحلي في مقدّمته على كتابه كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد : 19 .
( 2 ) يُفهم ذلك من تسميتهم لها بأنّها العلم الأعلى ، راجع - على سبيل المثال - : الطباطبائي ، بداية الحكمة : 7 .
( 3 ) راجع - على سبيل المثال - : محمد بن علي الموسوي العاملي ، مدارك الأحكام 1 : 3 .
( 4 ) راجع - على سبيل المثال - : السرخسي ، أصول الفقه 1 : 3 .
( 5 ) راجع - على سبيل المثال - : الشوكاني ، فتح القدير 1 : 11 - 12 . وتهمّنا الإشارة إلى أنّ النماذج التي أتينا بها ربما كان بعضها متأخّراً عن زمن الغزالي ، إلا أنه مع ذلك ، فإنّ هذه الفكرة مترقّبة في الثقافة آنذاك ، عنيت خصوصاً الجانب النرجسي من الثقافة الذي كان سائداً أيضاً ويعطي إيحاء بأنّ تمييز علم على علم أمرٌ مترقب ومعقول ، مما يجعل تبنّي الغزالي لها أمراً غير غريب .