تحديد المقصود من العلم الذي جعل في الحديث فريضة على كلّ مسلم - : وليس المراد بهذا العلم ( المذكور في الرواية ) إلا علم المعاملة ( لا علم المكاشفة ) والمعاملة التي كلّف العبد العاقل البالغ العمل بها ثلاثة : اعتقاد ، وفعل ، وترك . . « 1 » . وبعد تعرّضه للعلوم الواجبة على نحو الكفاية كالطب والحساب والفقه و . . قال : ولعمري إنّه ( أي الفقه ) متعلّق أيضاً بالدين ، ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا ، فإن الدنيا مزرعة الآخرة ولا يتمّ الدين إلا بالدنيا . . « 2 » ، وهذا واضح في أنّه يريد أن يأخذ بالفقه ، غايته أنّه يراه طريقاً لا غاية .
وليس هذا هو موقف الغزالي وحده ، بل لقد صرّح العديد من العرفاء ، أنّ منهجهم قائم على رعاية الشريعة وعدم الاستخفاف بها ، فقد صرّح ابن عربي بتابعيّة الولي للنبي في الأمور الراجعة إلى ظواهر الأعمال ، رغم اعتقاده بأرفعية مقام الولاية عن مقام النبوة ، بل لقد صرّح نفسه في فتوحاته بأنّ كلّ من قال من أهل الكشف أنّه مأمور بأمرٍ إلهي في حركاته وسكناته مخالف لأمر شرعي محمدي تكليفي فقد التبس عليه الأمر . . « 3 » ، وهذا نص واضح ، يؤكّد أنّ جماعة العرفاء لم يدافعوا عن تجاوز الشريعة ، بل اعتبروا المداومة عليها شرطاً لازماً لسلامة مسيرتهم الروحية ورحلتهم الباطنية ، وإذا كان لنا من ملاحظة عليهم فهو - كما قال أبو زيد - في قصرهم الشريعة بالأمور الفرديّة دون ملاحظة البعد الاجتماعي ، وهو أمرٌ لم يكن مقصوراً عليهم ، وإنما كان بلاءً أصاب كلّ الفرقاء والاتجاهات ، بمن فيهم الفقهاء أنفسهم ، ومن ثم تعدّدت أسبابه وتنوّعت دوافعه بما لا يسمح بتوحيد السبب وحصره بجهة أو بشخص ، أي لا معنى لحصره بجماعة العرفاء ولا بالغزالي لوحده ، فالشيعة الإماميّة مثلًا كانت لهم ظروفهم التي فرضت تنحّيهم عن الحياة السياسية العامة مما ترك ذلك أثراً في حالة الفردية والانكماش التي غطّت فقههم كلّه تقريباً في بعض الحقبات الزمنية ، هذا فضلًا عن أنّ ذلك لا يبطل التقسيم الذي وضعه الغزالي كما أشرنا ، والذي نحن بصدد الحديث حوله لا حول كلّ المنظومة
هامش
( 1 ) إحياء علوم الدين 1 : 32 ؛ وقد أخذ الغزالي هذا الكلام من أبي طالب المكّي ، كما أشار إلى ذلك العلامة محمد بن محمد الحسيني الزبيدي المعروف بمرتضى في كتابه : إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين 1 : 135 .
( 2 ) إحياء علوم الدين 1 : 36 .
( 3 ) الفتوحات المكيّة 1 : 179 .