تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 592

مساهمون:

ص٥٩٢
القرآني في رأيه عن ثنائي الدنيا والآخرة ، لا سيما بوصفه باحثاً قرآنياً ، وهذا ما يصحّح مطالبته بذلك باعتبار تجربته محاولة من الداخل لا نقداً من الخارج ، كما أراده منه علي حرب ، ومن ثمّ فأيّ مبرّر لهذا التجاهل ما دام النص شديد الحرص على مفهوم الآخرة ، كما يلاحظ بوضوح ؟ ! إنّ الدراسة السيكولوجية والسسيولوجية للخطاب الديني ، ليست مبرراً - لمن يحاول الانطلاق من الداخل - لتقديم تقويم نهائي ، بل لا يحقّ له تقديم هذا التقويم ما دام النص ما يزال محافظاً على مركز من مراكز الصدارة . وما دامت الآخرة هي الأساس ، فمن الطبيعي أن يتعاطى الغزالي مع الدنيا وحركة تنظيمها تعاطياً آليّاً أداتياً استطراقياً ، وهذا ما يجعل علم الفقه علماً دنيوياً بهذا المعنى ، إنّه علم يريد تنظيم الدنيا لكي تنتظم أمور الآخرة ، لا لكي تنتظم أمور الدنيا فحسب ، لكنّه في الوقت نفسه يرى أنّ انتظام أمور الآخرة لا يتمّ إلا بنظم أمور الدنيا . إنّ نقد الغزالي كان لابد أن ينطلق من داخل المناخ الإسلامي ، عبر إثارة تساؤل يستفهم عن مدى إمكانيّة الجمع بين تقسيم الغزالي وعدم التورّط في الإفراط الصوفي ؟ وإذا تبرهن أنّ هذا الأمر غير ميسور ، صحّ القول بأنّ دعوة الغزالي من الزاوية العمليّة هي دعوةٌ لتفكيك المجتمع والعودة إلى العزلة الصوفيّة المتمثلة في الخلاص الفردي ، أمّا إذا استطعنا الجمع المذكور فلن تكون أمامنا من مشكلة في القيام بعملية دمج تربط الدنيا بالآخرة مع حفظ أصالة الآخرة . هل قول الغزالي بأنّ الفقه والتفسير من علوم القشر أو اللباب بالطبقة السفلى معناه أنه أبطل مفعول هذه العلوم أو دعا إلى وضعها جانباً ، أو طالب بهجران الدنيا ، رغم تصريحه بأنّ الحاجة تعمّ لهذا العلم ( الفقه ) لتعلّقه بعلاج الدنيا أوّلًا ثم بعلاج الآخرة ؟ إنّ عملية تقسيم العلوم لا تعني الاستهانة ببعضها ، وإنّما وضع مفاضلة ، وإذا دعا الغزالي لتجاوز الشريعة بحثاً عن الحقيقة على أسس الطريقة فمن حقّنا مطالبته ، لكنّ وضعه معرفة الله بذاته في أعلى الهرم مع افتراضه أنّ كلّ العلوم الأخرى تقع في سلسلة لا مفرّ منها أمرٌ لا ضير فيه ، بعيداً عن النقاش الأوّلي مع الصوفية والعرفاء حول تصوّراتهم لمعرفة الله ولقائه . وإذا رجعنا إلى كلمات الغزالي نفسه في التبرير الذي وضعه لذاته بجعله الفقه من علوم الدنيا ، لرأينا أنّه لا يقصد بذلك الاستهانة أو التوهين بهذا العلم وأمثاله ، يقول - وهو في صدد
شمول الشريعة — صفحة 592 | حيدر حب الله