تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 589

مساهمون:

ص٥٨٩
بالفضيلة ، وفي المآل القرب من الله سبحانه والترقّي إلى جوار الملإ الأعلى من الملائكة والمقرّبين ، ولا يقصد به الرئاسة والمال والجاه ومماراة السفهاء ومباهاة الأقران ، وإذا كان هذا مقصده طلب لا محالة الأقرب إلى مقصوده ، وهو علم الآخرة . ومع هذا فلا ينبغي له أن ينظر بعين الحقارة إلى سائر العلوم ، أعني علم الفتاوى وعلم النحو واللغة المتعلّقين بالكتاب والسنّة ، وغير ذلك مما أوردناه في المقدّمات والمتممات من ضروب العلوم التي هي فرض كفاية . ولا تفهمن من غلوّنا في الثناء على علم الآخرة تهجين هذه العلوم ، فالمتكفّلون بالعلوم كالمتكفّلين بالثغور والمرابطين بها والغزاة المجاهدين في سبيل الله ، فمنهم المقاتل ، ومنهم الرّدء ، ومنهم الذي يسقيهم الماء ، ومنهم الذي يحفظ دوابهم ويتعهّدهم . ولا ينفك أحد منهم عن أجر إذا كان قصده إعلاء كلمة الله تعالى دون حيازة الغنائم ، فكذلك العلماء ، قال الله تعالى :
( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ )
، وقال تعالى :
( هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ )
. والفضيلة نسبيّة ، واستحقارنا للصيارفة عند قياسهم بالملوك لا يدّل على حقارتهم إذا قيسوا بالكنّاسين . فلا تظنّن أنّ ما نزل عن الرتبة القصوى ساقط القدر ، بل الرتبة العليا للأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم العلماء الراسخين في العلم ، ثم للصالحين على تفاوت درجاتهم « 1 » . ألا يبدو واضحاً هنا أنّ الغزالي ليس بصدد حذف علمٍ من العلوم من دائرة الدين ، بل بصدد ترتيبها ؟ هذا كلّه بعيداً عن أنّ الغزالي ظلّ قبل وبعد الإحياء والمنقذ من الضلال من المصنّفين في علوم الشريعة ، فهذا كتابه المستصفى دوّنه بعدهما ، وفي مقدّمته قال بنفسه : العلوم ثلاثة : 1 - عقليّ محض ، لا يحث الشرع عليه ولا يندب إليه ، كالحساب والهندسة والنجوم وأمثاله من العلوم فهي بين ظنون كاذبة لائقة ، وإنّ بعض الظن إثم ، وبين علوم صادقة لا منفعة لها ، ونعوذ بالله من علمٍ لا ينفع ، وليست المنفعة في الشهوات الحاضرة ، والنعم الفاخرة ، فإنّها فانية داثرة ، بل النفع ثواب دار الآخرة « 2 » .
هامش
( 1 ) المصدر نفسه 1 : 78 - 79 . ( 2 ) كان ينبغي للدكتور نصر حامد أبو زيد أنّ ينتقد الغزالي في هذا النصّ الذي يحرّك المسلمين نحو إهمال العلوم الطبيعيّة - عدا الطبّ - وحصر المعرفة بالعلوم النقلية أو العقلية المؤيّدة بالنقل والمركّبة معه ، فمثل هذا النصّ يمكن اعتباره مدمّراً من ناحية حضاريّة ، تماماً كما أجهز الغزالي على الفلسفة وعلم