الأعداء ، هيهات هيهات ! قد اندرس علم الدين بتلبيس علماء السوء ، فالله تعالى المستعان ، وإليه الملاذ في أن يعيذنا من هذا الغرور الذي يسخط الرحمن ، ويضحك الشيطان « 1 » .
إنّ أيّ مُراجع لمصنّفات الغزالي - خاصّة الكتابين المشار إليهما - يشعر بوضوح أنّ الرجل ليست له مواقف من هذه العلوم ، ولا يريد حذفها أو اعتبارها غير ذات قيمة ، ولا يريد إقصاءها من سلسلة العلوم الدينيّة أو اعتبارها خارج إطار الدين أو علمنتها ، بل كلّ ما يريده الغزالي هو مَوْضَعة هذه العلوم والمعارف ووقف تغوّلها ، وإعادة استذكار العلوم الروحيّة والسلوك الروحي إلى الله في عصرٍ طغت عليه المادّة والماديات ، وتحوّل الدين فيه إلى مجرّد الفقه وتنظيم الأبدان والشكليّات ، للوصول إلى مصالح الدنيا ، وإغراق المعرفة الدينيّة بتفاصيل ترفيّة قليلة الحاجة وترك ما يحتاج إليه من تطهير القلوب ، وهو عصر فقدت فيه العبادة معناها لتتحوّل إلى مجرّد أعمال ظاهريّة ، فيما تحوّل الفقه إلى علم مصالح بشريّة يمكن التلاعب به لذلك ، كما تحوّل علم الكلام إلى سلسلة من المجادلات والصراعات العقيمة المقسية للقلوب في نظر الغزالي الذي ما ترك في الإحياء فرصةً إلا وشنّ فيها أعنف الهجمات على المتكلّمين .
إنّ مشكلة الغزالي هي في وعي الأولويّات وترتيب العلوم الدينيّة ، وإحياء ما اندثر منها بين المسلمين وموضعتها بشكل مختلف ، أو إعادة تكوين بعض العلوم من هويّة عقليّة إلى هويّة نقليّة ، لا في حذف علم أو غيره من منظومة المعرفة الدينيّة ، وإلا فالغزالي نفسه كان يبحث في علم الكلام في الإحياء نفسه ، غاية ما في الأمر أنّه اعتبر أنّ النصّ يكفينا جدليّات علم الكلام وسجاليّاته المقسية للقلوب ، كما بحث في الفقه في مواضع متعدّدة خاصّة في ربع العادات ، لكنّنا كنّا نجد الغزالي حريصا دوماً على أن يخلع على هذه البحوث مَسحة روحيّة ، ويبتعد بها عن أن تغرق في البعد الظاهري والشكلي نحو التسامي بها في الآفاق الروحيّة الرحبة ، ولهذا أنت تجد الغزالي عندما يتحدّث عن أيّ علم فهو يرصد تأثيراته الأخلاقية والروحيّة والاجتماعيّة ، إلى جانب تحديد مديات الحاجة إليه .
بل ثمّة نصّ للغزالي واضح جداً فيما نحن فيه ، حيث يقول الغزالي في بحثه حول آداب المعلّم والمتعلّم : الوظيفة التاسعة : أن يكون قصد المتعلّم في الحال تحلية باطنه وتجميله
هامش
( 1 ) إحياء علوم الدين 1 : 41 .