تصوير صحيح أو لا ؟
يجب هنا أن نفهم الغزالي فهماً شاملًا ، فكتاب إحياء علوم الدين الذي استمرّ تأليفه من قبل الغزالي فترة طويلة من الزمن ، إلى جانب كتابه ( المنقذ من الضلال ) ، يشرحان لنا وضع الغزالي ، فالغزالي كانت شكواه دنيويّة العلماء وغرقهم في مستوى معيّن من المعرفة الدينيّة ، لقد كان الغزالي - بتعبير الدكتور نصر حامد أبو زيد - يشتكي من عصره وزمانه ، بل ومن نفسه وماضيه ، فقد لاحظ وهو يبدأ رحلته الصوفيّة كيف أنّ مختلف طبقات علماء الدين وغيرهم ذابوا في الدنيا ، ووظّفوا كلّ المفاهيم الدينيّة لأجل الدنيا فقط ، فصار الفقه والأخلاق والعرفان والتصوّف والكلام والفلسفة كلّها لأجل الدنيا ومصالحها ، لهذا نجده يشتكي من علوم الحيل الفقهيّة التي جاء بها الأحناف ، وكأنّه يريد أن يقول بأنّها ليست سوى نتيج لمصالح الدنيا التي يتمّ ليُّ عنق النصّ لأجلها .
فلنلاحظ سويّة هذا النصّ لنكتشف شكوى الغزالي حيث يقول : ولو سُئل فقيهٌ عن معنى من هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلًا أو عن التوكّل أو عن وجه الاحتراز عن الرياء لتوقّفَ فيه ، مع أنّه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة . ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق والرمي لسرد عليك مجلّدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها ، وإن احتيج لم تخلُ البلد عمّن يقوم بها ويكفيه مؤونة التعب فيها ، فلا يزال يتعب فيها ليلًا ونهاراً ، وفي حفظه ودرسه ويغفل عما هو مهم نفسه في الدين ، وإذا روجع فيه قال : اشتغلت به ؛ لأنّه علم الدين وفرض الكفاية ، ويلبّس على نفسه وعلى غيره في تعلّمه ، والفطن يعلم أنّه لو كان غرضه أداء حقّ الأمر في فرض الكفاية لقدّم عليه فرض العين ، بل قدّم عليه كثيراً من فروض الكفايات ، فكم من بلدة ليس فيها طبيب إلا من أهل الذمّة ، ولا يجوز قبول شهادتهم فيما يتعلّق بالأطباء من أحكام الفقه ، ثم لا نرى أحداً يشتغل به ، ويتهاترون على علم الفقه لا سيما الخلافيّات والجدليات ، والبلد مشحون من الفقهاء بمن يشتغل بالفتوى والجواب عن الوقائع . فليت شعري كيف يرخّص فقهاء الدين في الاشتغال بفرض كفاية قد قام به جماعة ، وإهمال ما لا قائم به ؟ هل لهذا سبب إلا أنّ الطبّ ليس يتيسر الوصول به إلى تولّي الأوقاف والوصايا وحيازة مال الأيتام وتقلّد القضاء والحكومة والتقدّم به على الأقران والتسلّط به على
شمول الشريعة — صفحة 587
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٨٧