تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 586

مساهمون:

ص٥٨٦
الفقه ظهر أيضا شرف علم طريق الآخرة « 1 » . فالغزالي هنا يقرّب علم الفقه من علم الآخرة ، ولا ينزل به حدّ سائر علوم الدنيا ، وهذا ما يفسّر ما طرحه الغزالي في كتاب جواهر القرآن ، حيث قسّم العلوم المتصلة بفهم القرآن الكريم إلى علوم القشر وعلوم اللبّ ، كما رأينا سابقاً ، واعتبر علوم الطبقة السفلى - ومنها الفقه والكلام - وسطاً بين العلوم القشريّة وعلوم اللبّ العليا « 2 » . من الواضح في هذا النصّ أيضاً أنّ الغزالي ليست لديه مشكلة مع الفقه ، بل لديه مشكلة مع موقعيّته ، فهو يجعله من علوم اللبّ ، وينأى به عن العلوم القشريّة ، غاية الأمر لا يرتفع به مستوى العلم بالله سبحانه ، تماماً كما نأى به - في النصّ السابق - عن العلوم الدنيويّة المحضة كالطبّ ، ليجعله مجاوراً لعلم الآخرة ، بل لا يستغني عنه سالك الآخرة . وفي كتاب المراقبة والمحاسبة من الإحياء ، يقول الغزالي : فإنّ الناس كلّهم قد هجروا هذه العلوم ، واشتغلوا بالتوسّط بين الخلق في الخصومات الثائرة في اتّباع الشهوات ، وقالوا : هذا هو الفقه ، وأخرجوا هذا العلم الذي هو فقه الدين عن جملة العلوم ، وتجرّدوا لفقه الدنيا الذي ما قُصد به إلا دفع الشواغل عن القلوب ، ليتفرّغ لفقه الدين ، فكان فقه الدنيا من الدين بواسطة هذا الفقه « 3 » . هذا النصّ مهمّ ؛ إذ يعتبر الغزالي فيه أنّ الفقه علم من علوم الدين ، وأنّ ما جعله من هذه العلوم هو أنّه يدفع الشواغل عن القلوب كي تتفرّغ لفقه الدين الحقيقي ، وهذا ما يجعل الغزالي يعتبر علم الفقه طريقاً لخلق بيئة حاضنة لولادة الفقه الحقيقي المعنوي عنده ، ولا يبيّن هنا أنّ الفقه علمٌ غير مهمّ أو أنّه مستحقَر ، بل يبيّن موقعه من علم الآخرة ، وأنّه بمثابة طريق خادم له ، وليس معارضاً ، لكنّ الناس غرقت في الطريق ونسيت الهدف . في ظلّ هذه النصوص وما سبق ، كيف يمكن فهم نظريّة الغزالي ؟ وهل يحذف الغزالي علم الفقه ويضعه في مصاف علوم الدنيا أو أنّه يهدف لشيء آخر ؟ هل تصوير سروش وشبستري لكلامه على أنّه حذف لعلم الفقه من الدين وتحويله لعلم دنيا يقوم على المعايير الدنيويّة هو
هامش
( 1 ) المصدر نفسه 1 : 38 - 39 . ( 2 ) انظر : الغزالي ، جواهر القرآن : 35 - 47 . ( 3 ) إحياء علوم الدين 4 : 475 .