على أكثرهم الشيطان ، واستغواهم الطغيان ، وأصبح كلّ واحدٍ بعاجل حظّه مشغوفاً ، فصار يرى المعروف منكراً والمنكر معروفاً ، حتى ظلّ علم الدين مندرساً ، ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمساً . ولقد خيّلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام ، عند تهاوش الطغام ، أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام ، أو سجع مزخرف يتوسّل به الواعظ إلى استدراج العوام ؛ إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام ، وشبكة للحطام ، فأمّا علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح ، مما سماه الله سبحانه في كتابه فقهاً وحكمة ، وعلماً وضياءً ونوراً ، وهداية ورشداً ، فقد أصبح من بين الخلق مطويّاً ، وصار نسياً منسياً ، ولما كان هذا ثلماً في الدين ملمّاً ، وخطبا مدلهماً ، رأيت الاشتغال بتحرير هذا الكتاب مهماً ، إحياءً لعلوم الدين ، وكشفاً عن مناهج الأئمّة المتقدّمين ، وإيضاحاً لمباهي العلوم النافعة عند النبيّين والسلف الصالحين . . « 1 » .
من الواضح أنّ الغزالي هنا يشعر بخيبة أمل من تراجع وضع العلوم الإيمانيّة ، التي يراها مقدَّمة على سائر العلوم .
لكنّ الغزالي بعد صفحات يذكر النصّ الذي نقله سروش ونقلناه من قبل ، ثم يقول : فإن قلت : لم سوّيت بين الفقه والطبّ ؛ إذ الطبّ أيضاً يتعلّق بالدنيا وهو صحّة الجسد ، وذلك يتعلّق به أيضاً صلاح الدين ، وهذه التسوية تخالف إجماع المسلمين ؟ فاعلم أنّ التسوية غير لازمة ، بل بينهما فرق ، وأنّ الفقه أشرف منه من ثلاثة أوجه : أحدها أنّه علمٌ شرعيّ ؛ إذ هو مستفاد من النبوة ، بخلاف الطبّ فإنّه ليس من علم الشرع . والثاني أنّه لا يستغني عنه أحد من سالكي طريق الآخرة البتة لا الصحيح ولا المريض ، وأمّا الطبّ فلا يحتاج إليه إلا المرضى وهم الأقلّون . والثالث أنّ علم الفقه مجاور لعلم طريق الآخرة ؛ لأنّه نظر في أعمال الجوارح ، ومصدر أعمال الجوارح ومنشؤها صفات القلوب ، فالمحمود من الأعمال يصدر عن الأخلاق المحمودة المنجية في الآخرة ، والمذموم يصدر من المذموم ، وليس يخفى اتصال الجوارح بالقلب . وأمّا الصحّة والمرض فمنشؤهما صفاء في المزاج والأخلاط ، وذلك من أوصاف البدن لا من أوصاف القلب ، فمهما أضيف الفقه إلى الطبّ ظهر شرفه ، وإذا أضيف علم طريق الآخرة إلى
هامش
( 1 ) إحياء علوم الدين 1 : 17 .