نقدٍ شديد في أوساط العديد من المثقفين الدينيّين العرب ، الذين اشتهر بينهم أنّ الغزالي هو حجر الزاوية في تدهور الثقافة الإسلاميّة وانهيار العقل في الدين ، وتلاشي اهتمام المسلمين بالدنيا وتراجع حضارتهم بسبب ذلك . إنّهم يعتبرون أنّ الغزالي بنزعته الصوفية الغنوصية التأويليّة قضى على العقل الكلامي والفلسفي من جهة ، وسدّد ضربته للشريعة الناهضة بدنيا الناس من جهة ثانية ، وحوّل الدين إلى شأن باطني فردي غير قادر على المشاركة في نهضة المسلمين ، بما جعله يبدو عاطلًا عن العمل ، الأمر الذي هيمن على حياة المسلمين إلى زمان أمثال الشيخ محمّد عبده ( 1905 م ) الذي أعاد التفكير في النهضة المعتزليّة العقليّة الدنيويّة بالمعنى الإيجابي للكلمة .
إنّ رؤية سروش - شبستري إيجابيّة للغزالي ؛ انتصاراً لنزعة صوفيّة إيمانيّة علمانيّة ، لكنّ رؤية أبو زيد سلبيّة هنا انتصاراً لنزعة عملانيّة دنيويّة نهضويّة ، بيد أنّ غاية المثقف الإيراني ليست هي نفسها التي يصبو إليها الغزالي في قراءة أبو زيد له ؛ لأنّ سروش وشبستري يريدان تحويل مهمّات الدنيا إلى العقل أيضاً ، غاية الأمر العقل المفارق للنصّ ، في توجّهٍ علماني واضح ، لا نجد مثله عند أبو زيد ، فالشلل الصوفي الذي أصاب الأمّة من وجهة نظر أبو زيد ، وضع له سروش وشبستري حلًا ، وهو التخلّي عن مرجعيّة الدين في إدارة الدنيا ، وبهذا لا يصبح الدين معيقاً لنهضة الدنيا ، فالدين الدنيوي الذي أراده أبو زيد استبدله سروش وشبستري بالعقل الدنيوي المخارج للدين ، بينما يرى أبو زيد أنّ موقف الدين من العقل والدنيا له أكبر الأثر في نهضة الدنيا بين المسلمين .
6 - 2 - مطالعة نقديّة لفهم ( أبو زيد - سروش - شبستري ) نظريّةَ الغزالي
بعد هذا الاستعراض لمواقف الرموز الثلاثة من نظريّة الغزالي وتفسيرها ، لابدّ لنا أن نفسّر نظريّة الغزالي وفقاً لنصوصه ، لنعمد بعدها إلى تقويم فهم الثلاثة ( أبو زيد - سروش - شبستري ) لها .
ينطلق الغزالي في مقدّمة الإحياء ، مبيّناً الهمّ الذي يعيشه ، حيث يقول : . . فأدلّة الطريق هم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء « 1 » ، وقد شغر منهم الزمان ولم يبقَ إلا المترسّمون ، وقد استحوذ
هامش
( 1 ) ينقل سروش أنّ شريعتي يعتبر المثقّف هو وارث الأنبياء ، فانظر : تفرّج صنع : 382 .