وعبر هذه الطريقة ، أصبحت علوم الفقه والتفسير والكلام علوماً دونيّةً ، فيما كانت معرفة الله ، أي تلك المعرفة التي يبلغها الصوفي والعارف ، هي الأساس الذي لا ترقى إليه معرفة أخرى .
وإذا ما ضممنا - كما فعل أبو زيد - مبدأ التوحيد بين القرآن والصفات الإلهية لغدا النصّ القرآني بدوره بحراً من الأسرار والعلوم التي لا حصر لها « 1 » ، وعبر ذلك يتمّ إنتاج المنهج الرمزي ومسالك التأويل الباطني ، عبر مزدوج أشعري صوفي كما لاحظنا « 2 » .
وبهذه المنظومة ، يغدو من الطبيعي تولّد الثنائي الذي غطّى حركة الفكر الإسلامي عموماً ، أي ثنائي العامّة والخاصة الذي راج في الأوساط الصوفيّة ، وأخذه العلماء ، كما طبّقه الشيعة على أنفسهم وغيرهم ( ولو لم يكن تطبيقاً حرفيّاً ) على أساس أنهم الخاصّة وأهل السنّة هم العامّة ، والنقطة الحسّاسة عند الغزالي في موضوع العامة والخاصة هو اعتباره العامة خدمة للخاصّة ، فهم - أي الخاصّة - متفرّغون لله ، لهذا كان لابد من آخرين يكدّون ويكدحون ، ليتسنّى للخاصّة سلوك طريق الله ، وهو ما يعتبره أبو زيد قلباً للتقسيم الاجتماعي الواقع في المجتمع « 3 » .
ويذهب الغزالي مذهباً أبعد من ابن عربي ، حينما يضع الخلاص في ثنائي العامّة والخاصة ، عندما يكون خلاص العامّة بالأخذ بمجمل الاعتقادات الأشعريّة ، فيما ينحصر الخاصّة بالمتصوّفة والعرفاء ، وفي هذا ما فيه من تصوّر نهاية سوداوية للآخر كالشيعة والخوارج والمعتزلة والفلاسفة ، وهو اتجاه بالغ الخطورة يؤسّس له الغزالي هنا « 4 » ، ضامّاً إيّاه إلى ثنائياته الأخرى ليغدو مصطلح الخاصّة والعامة تعبيراً آخر عن المتصوّفة والبله .
ورغم أنّ الفقهاء فيما بعد وفي عصرنا الحاضر ، استخدموا هم أيضاً منطق الخاصّة والعامة ، إلا أنّ الغزالي لم ينظر إلى علم الفقه - كما يقول أبو زيد - إلا بوصفه علماً دنيوياً له في الدرجة الثانية تعلّقٌ بالآخرة ، وهذا ما أدّى إلى تحوّل وظيفي في الفقه نفسه وتبدّل في مقاصد الشريعة من إقامة مجتمع إلى تحقيق الخلاص الفردي ، وهو ما دفع الغزالي لتسجيل نقده على توسّع
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : 254 - 255 .
( 2 ) المصدر نفسه : 256 - 257 .
( 3 ) المصدر نفسه : 261 - 262 ، 286 - 287 .
( 4 ) المصدر نفسه : 282 - 283 .