تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 581

مساهمون:

ص٥٨١
بوصفه نقطة التحوّل المذكور . لقد أحدث الإمام الغزالي في كتابه ( جواهر القرآن ) - كما اعتمده أبو زيد - تحوّلًا كبيراً في فهم وظائف النصّ وطبيعته ، فبعد أن كان عمليّة نزول من عند الله إلى الإنسان تهدف الإفصاح ، تحوّلت إلى حركة صعوديّة سعياً إلى الله ، وأدّى ذلك - بشكلٍ تلقائي - إلى انصراف الإنسان لبناء حياته الأخرويّة بوصفها المنقلب الذي سيؤول إليه ، معرضاً عن بناء الحياة الدنيويّة وإعادة تشكيل الواقع بهدف صنع الحياة وإشباع الحاجات جميعها « 1 » . أدّى التحوّل المذكور إلى أن يُصبح الهدف من النصّ هو قائله ، واعرض عن المخاطَب الذي هو الإنسان نفسه ، وتحوّلت الحركة تلقائياً محدثةً انحرافاً كبيراً . كان ذلك مع الغزالي قبل ابن عربي ( 638 ه - ) بقرنٍ من الزمن ، هناك اختلطت المدرسة الأشعريّة بالمنحى الصوفي « 2 » ، وتنطلق تصوّرات الغزالي - فيما يراه أبو زيد - من ثنائي الدنيا والآخرة ، وهو ثنائي أحدث الغزالي بينه قطيعة ، ومن الدنيا والآخرة جاءت مقولة الظاهر والباطن عند الغزالي لتعيد تصنيف علوم القرآن من جديد . يضع الغزالي تقسيمه لعلوم القرآن وفق نظام ثنائي الظاهر والباطن ، فيقسّمها إلى علوم اللباب وعلوم القشر والصدف . في علوم القشر والصدف ، هناك علم مخارج الحروف ، يليه صعوداً علم اللغة ، فعلم النحو ، فعلم القراءات ، فعلم التفسير الظاهر . أمّا علوم اللباب ، فهي الأخرى ذات طبقتين سفلى وعليا : 1 - أما السفلى فقصص القرآن عن الأنبياء والكفار ، وعلم الكلام ، وعلم الفقه . 2 - وأمّا العليا فهي معرفة الله ، ومعرفة طريق السلوك إليه ، ومعرفة الحال عند الوصول ( الثواب والعقاب ) . وتحتلّ معرفة الله المرتبة العليا ، تبدأ من معرفة الأفعال الإلهيّة في عالمي الغيب والشهادة ، وتمرّ بمعرفة الصفات ، لتصل إلى أرقى معرفة ، ألا وهي معرفة الذات .
هامش
( 1 ) انظر : أبو زيد ، مفهوم النص : 245 . ( 2 ) المصدر نفسه : 246 .