6 - 1 - دنيويّة الفقه ( الغزّاليّة ) بين سروش وشبستري ونصر حامد أبو زيد ، قراءة مقارنة
لاحظنا سابقاً كيف أنّ أبا حامد الغزالي كان يعتبر أنّ الفقه علم الدنيا والفقهاء علماء دنيا ، وأنّه لولا الخصومات والشهوات ما احتاج البشر إلى الفقه أصلًا ، ولاحظنا تفسير سروش لموقف الغزالي بحيث يبدو الفقه وكأنّه خارج المنظومة الدينيّة ، عبر تصنيفه بأنّه علم دنيويّ ؛ تمهيداً من سروش لتحويل الفقه إلى علم تجربي علماني وضعي كما رأينا وسنرى .
لم يكن سروش الوحيد في تناول وتحليل موقف الغزالي من الفقه ، بل شاركه في ذلك محمّد مجتهد شبستري ، وسبقهما الدكتور نصرحامد أبو زيد في كتابه ( مفهوم النصّ ) ، الذي أنهاه - وفقاً لتاريخ مقدّمة الكتاب - في عام 1987 م ، أي قبل صدور مقالة سروش بعامين تقريباً ، وسوف أشير لما طرحه شبستري ، ثم أقوم بطرح فهم أبو زيد ، حيث توجد اختلافات طفيفة في التقويمات بينهم ، ثم ننتقل لتقويم فهمهم جميعاً لتفسير الغزالي لهويّة الفقه وموقعه .
أمّا شبستري ، فيتعرّض لنظريّة الغزالي - بشكل رئيس - في موضعين من كتابه ( نقد القراءة الرسميّة للدين ) :
في الموضع الأوّل ، يفهم شبستري من الغزالي أنّ الفقه علمٌ علماني يتابع المسارات الطبيعيّة لولادة القوانين في التجربة البشريّة ، ومن ثمّ فلا يعدّ اتّباعه من التديّن ، غاية ما يربطه بالدين هو أنّ على الفقه أن يقدّم ما يساعد على تقوية التجربة الدينيّة ، فالفقه الصحيح هو ما يساعد على تقوية هذه التجربة ، لا ما يساعد على إضعافها ، فهذا هو معيار قبوله دينيّاً ، لا أنّه علم دينيّ ويكون اتّباعه متصلًا بالتديّن ، وهذا هو ما عناه الغزالي من دنيويّة الفقه ، وفقاً لتفسير شبستري « 1 » .
في الموضع الثاني ، يظهر شبستري رافضاً تحويل الفقه لعلم دنيوي ، مستنداً لرأي الغزالي أيضاً في أنّ علم الفقه هو علم أوامر الله تعالى ونواهيه ، ففصله عن البعد الروحي والتجربة الدينيّة يصيّره دنيويّاً ، وهذا هو ما رفضه الغزالي والعرفاء من وجهة نظر شبستري « 2 » .
قد يبدو موقف شبستري غير واضح في فهمه لرأي الغزالي ، فتارةً ينتصر لدنيويّة الفقه
هامش
( 1 ) انظر : شبستري ، نقدي بر قرائتِ رسمي از دين : 420 .
( 2 ) انظر : المصدر نفسه : 163 .