5 - إبطال الاحتكار لا يُنتج إقصاء الفقه ، من مخاصمة الفقيه إلى الإطاحة بالفقه !
إنّ النتيجة التي يخرج بها سروش هي أنّ من يحلّ مشاكل الإنسان ومن ينبغي البحث عن حلول لمشاكله وقضاياه فيه هو العقل الجمعي للإنسان لا الفقه وأمثاله ، ولكنّ كلّ المقدّمات التي ساقها في طروحاته لا تثبت هذه النتيجة ؛ لأنّ غاية ما تقدّمه لنا تلك المعطيات هو أنّ الفقه والدين ليست فيهما حلول لكلّ قضايا الحياة ؛ وأنّهما لا يستطيعان وضع خطط وبرامج لإدارة الحياة البشريّة على وجه الأرض ، لكنّ هذا لا يعني أنّهما لا يشكّلان رافداً من روافد إدارة الحياة ؛ لأنّ الحياة لا تدار أيضاً بالعقل الإنساني وحده إدارةً مضمونة النتائج ، فنفي احتكار الفقه لإدارة الحياة لا يُنتج - منطقيّاً - احتكار العقل لها ؛ لأنّ ما ينفي الموجبةَ الكليّة لا يُثبت بالضرورة السالبةَ الكليّة ، فقد ارتكب سروش قفزة غير مبرّرة موضوعيّاً .
وكما قال سروش بأنّه لا يمكن إثبات أرجحيّة النظام الإسلامي على غيره من نظم العالم « 1 » ، كذلك يمكننا أن نقول له بأنّه لا يمكن إثبات صواب نظام بشري بعينه على سائر النظم المقترحة من السماء والأرض ، فإذا استحال الترجيح هناك استحال هنا ، وهذا ما ينتج - وفق بناءات الدكتور سروش نفسه - أنّ من يدير الحياة يجب التفتيش عنه في مزودج العقل الجمعي الإنساني ومعطيات الوحي السماوي في الديانات كافّة ، وإلا فإنّ عجز واحدٍ منهما في الاستبداد بإدارة الحياة لا يعني أنّه فَقَدَ دوره بالكليّة .
إنّ ما أشرنا له أخيراً في كلام سروش ، من أنّ إدارة الحياة لا تكون بالفقه ، ومدير الحياة ليس هو الفقيه ، كلامٌ تعرّض له سروش مراراً وتكراراً في محاضراته وكتاباته ، وأعتقد أنّ كتاباته هذه تقع في سياق تاريخي يضعها في وضع مواجهة مع التجربة الدينية الحكوميّة التي عرفها الشيعة في القرن العشرين وإلى اليوم في إيران - وطن الدكتور سروش - ولن نتعرّض هنا للإسلام السياسي ، خاصّة بصيغة ولاية الفقيه ؛ وإنّما نريد أن نوضح أنّ وجود مشكلة مع الإسلام السياسي أو مع نظريّة ولاية الفقيه بالخصوص لا يستبطن بالضرورة مشكلةً مع الفقه نفسه ، كما سنرى مع مثل الدكتور نصر حامد أبو زيد ، الأمر الذي لا يفرض على الدكتور سروش خوض
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : 204 .