الرقيّ المادي بالإنسان بقدر ما يريد رقيّه المعنوي ، وأعتقد أنّ هذه الفكرة صحيحة فيما طرحه بازرگان وسروش وشبستري وغيرهم ، بمعنى أنّ الدين لم يكن غرضه أن يُخرج الإنسان من العصر الزراعي إلى العصر الصناعي أو العكس ، ولم يكن غرضه توجيه الإنسان لكي يعرّفه كيف يحصل على المال الأزيد أو الصحّة والسلامة أو غير ذلك ، وإنّما كان غرضه أن ينظّم له أموره في ظلّ أيّ وضع كان ، وهذه الفكرة نلتقي فيها مع نظريّة سروش تماماً ، ونخالف الكثير من الفريق الآخر ، لكن كان يفترض بالدكتور سروش أن يكون أكثر وضوحاً في تحديد « الحدّ الأدنى » من الربط بين الدنيا والآخرة ؛ لأنّ هذا المفهوم هلامي ومطّاط ، ولا يحكي عمّا تحته من مساحات .
فإذا طالَبَ الدينُ الإنسانَ بالتعاضد والتكافل الاجتماعي ودعم الفقراء والمساكين ، فهل يريد منه أن يدفع المال بوصف ذلك عمليّة ذاتية تربوية للنفس فقط كما قال سروش أو أنّه أخذ بعين الاعتبار أيضاً البُعد الموضوعي في هذه العناوين ، وهو البعد الذي ينفتح على قضايا تنظيميّة وعلى همّ دنيوي في رفع حالة الفقر في المجتمع وأخذه نحو وضعٍ اقتصاديّ آخر ؟
إنّ الكثير جداً ممّا أسماه سروش ( عبادات ) له بُعده الروحي الذي لا نناقش فيه ، لكنّ السؤال : هل لاحظ الإسلام بُعده الدنيوي الموضوعي الناتج عنه تلقائيّاً أو لا ؟ وهل كان نظره إلى البعد الفردي والأخروي فحسب ؟ فعندما يقول القرآن الكريم :
( كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ )
فهل نفهم منه أنّه يريد أمراً اخروياً أو دنيوياً أيضاً ؟ وهل هذا المفهوم المتضمّن في هذه الآية الكريمة أخروي ؟ ولماذا لم يتركه بين الأغنياء دولةً ليكون ذلك تجربةً روحيّةً لهم ولغيرهم فيما هو الابتلاء ؟
وبعبارة موجزة : إنّ مفهوم ( الحدّ الأدنى ) غير واضح هنا ، كما أنّ البعد الموضوعيّ للسلوك الروحي في ارتداداته العمليّة لم تتمّ تجليته أيضاً ، خاصّة وأنّ سروش نفسه يعتبر أنّ الوصول إلى تحديد أنّ الدين للدنيا أو للآخرة أو لهما معاً لا يمكن أن يتحقّق إلا عبر فهم الدنيا والآخرة وعلاقتهما معاً « 1 » ، ولا أجد - في نظري القاصر - أنّ سروش شرح لنا هذه العلاقة الأنطولوجيّة بشكل معمّق أو مبرهن .
هامش
( 1 ) انظر : مدارا ومديريّت : 184 .