تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 575

مساهمون:

ص٥٧٥
تحدّثوا عن انتهاء عصر الفقه الإسلامي ، في حين لا يبدو مفهوماً موقع الفقه من الدين عند سروش ، فهو من جهةٍ عرضيٌّ بما يوحي بخروجه من الدائرة ، خاصّة وأنّه لا يبدو له أيّ حضور ضمن سلسلة أغراض الدين التي قدّمها لنا سروش وأشرنا إليها من قبل ، ومن جهة أخرى فقهٌ مقاصدي بما يوحي ببقائه ضمن إعادة تكوين له ، ومن جهة ثالثة هو حلّال المشاكل القانونيّة وليس واضعاً لبرامج ، ومن جهة رابعة هو شأنٌ دنيوي ينظّم دنيا الناس خاضعاً للاختبار وهادفاً حلّ الخصومات والمنازعات ، وهذا يعني أنّه يتصل بشؤون غير عباديّة ترتبط بالنظام العلائقي بين الناس ، غاية الأمر أنّه خاضع للاختبار . من الممكن - دفاعاً عن الدكتور سروش هنا - أنّ نبرّر ذلك بأنّه مسيرة تحوّلات فكريّة عنده جعلته يتخذ مواقف متحوّلة من الفقه وصولًا لموقف نهائي ، كما ومن الممكن أن يكون موقف سروش من الفقه - وهذا ما لا أستبعده شخصيّاً - مطابقاً تماماً لموقف شبستري الأخير من أنّه منظومة قانونيّة انتهى عصرها وانقضت تماماً ، غاية الأمر أنّه حاول أن يدخل في مساجلات جدليّة مع الطرف الآخر ؛ بهدف تحقيق أكبر مكسب ممكن من التضييق على الفقه وجرّه للانزواء بأعلى مستوى مقدور . . ذلك كلّه ممكن ، لكن في نهاية الأمر ، نشعر - ونحن نتعامل مع نصوص سروش - بشيء من عدم وضوح الرؤية لدينا في موقفه النهائي من أصل وجود الفقه وشرعيّته اليوم في ظلّ أغراض الدين وأخرويّته . الناحية الثانية : لم يوضح لنا سروش - وهو يذهب لجعل كلّ شيء اخرويّاً وعباديّاً « 1 » - مديات العلاقة بين العبادة والدنيا ، كما لو يوضح لنا بدقّة الحدَّ الأدنى من الربط بين الدنيا والآخرة في الدين ، عندما قال بأنّ الدين يهتمّ بالدنيا بمقدار الضرورة والحاجة ، فما هي الضرورة هنا ؟ وما هي حدودها ؟ وما هي المعايير في وضع هذه الحدود ؟ نحن نوافق سروش في أنّ الدين جاء يحمل معه الغرض الأخروي والروحي والماورائي ، وأنّه جاء ليأخذ حدّاً معيناً من الربط بين الدين والدنيا ، ونقرّ أيضاً بأنّ الدين ليس غرضه
هامش
( 1 ) يذكّرني هذا الموضوع بما طرحه سيّد قطب حول الخطأ الذي وقع فيه الفقه الإسلامي عندما قسّم نفسه إلى عبادات ومعاملات ، في وقت تكون كلّ المسلكيّات في الإسلام قائمة على أنّ كلّ أفعالنا تخضع لمنطق العبادة ، وأنّ العبادة ليست بعض الأفعال الخاصّة ، بل سلوك المتديّن المؤمن هو برمّته سلوكٌ عبادي . انظر : سيد قطب ، خصائص التصوّر الإسلامي ومقوّماته : 114 .