موضوعي وغير منطقي ويحتاج لمقاربة استدلاليّة ، ومن ثمّ فحصر أهداف الدين بما ذكره سروش ليس بواضح ، وعندما يقوم العرفاء بالتركيز على جوانب اخرويّة في الدين من نوع بعث الطمأنينة وتشييد الأخلاق وتقويتها وبناء الروح وغير ذلك ، فهذا لا يعني أنّ العرفاء أو غيرهم لا يعتبرون الفقه جزءاً من المنظومة الدينيّة ، وسوف يأتي أنّ الغزاليَّ بنفسه لم يقصد إخراج الفقه أو إقصاءه عندما تحدّث عن دنيويّته ، بل قصد وضعَه في مرتبته الخاصّة والحدَّ من تعملقه في مقابل تقزيم الجانب المعنوي من الدين .
بناءً عليه ، فغاية ما تعطيه مركزيّة الآخرة في البناء الديني هو تابعيّة الدنيا ، وتراجع دور الفقه في بناء المشروع الديني للبشر ، وليس انسحاب الفقه من الساحة تماماً ، في حين أنّ سروش انطلق من مركزيّة الآخرة - وهي مركزيّة ليس لديّ شكّ فيها أبداً - نحو سحب البساط تماماً من تحت الفقه ، ولهذا نحن نسأل سروش : ما هو الفقه اليوم ؟ هل يمكن أن يقدّم لنا صورة عن الفقه تربطه بالدين ؟
إنّ سروش يذهب نحو فرديّة الدين ، ومن ثمّ فهل يعتبر أنّ الفقه فرديّ أيضاً ؟ وإذا كان الفقه فرديّاً فهذا معناه أنّه ينظّم حياة الفرد في علاقته بذاته وبالآخرين ضمن الأسرة ، وإلا فما معنى الفرديّة ؟ ليس من معنى للفرديّة إذا لم يكن الفقه مرتبطاً بعلاقات الإنسان الشخصيّة مع الآخرين ومع الطبيعة وسائر المحيط الذي يحتكّ به الإنسان ، وهذا يعني أنّ الفقه له موقف من كلّ هذه القضايا ، ومن الجليّ أنّ الفقه عندما يتدخّل في كلّ هذه القضايا فلن يكون عرضيّاً ، ولن يخرج من الدائرة بل سيكون حَكَماً في هذه الدائرة من حياة الفرد بشكلٍ تلقائي ، هذا كلّه في الوقت الذي لا نجد للفقه أيّ وجود عند سروش ، فكيف جمع سروش بين وجود الفقه وعدمه ؟ وهل يمكنه أن يصوّر لنا الفقه الديني في ظلّ منظومته ؟
من الممكن أن يفهم سروش الفقه على أنّه مجرّد شكل ظاهري منظّم للعبادات لا أكثر ، ومن ثمّ فلا علاقة له بأيّ شيء آخر غير الفقه العبادي ، وهو أمر يمكن أن يحلّ بعض المشاكل لكنّه لا يبدو مفهوماً على مستوى المبرّر الموضوعي ، فلماذا كانت نصوص الفقه غير العبادي خارج الفقه ونصوص الفقه العبادي داخله ؟ وكيف نستطيع التمييز وفقاً لمبرّر منطقي أو هرمنوطيقي أو تاريخي ؟
أعتقد بأنّ أمثال الدكتور محمّد أركون كانوا أوضح وأعمق وأصرح من سروش ، عندما
شمول الشريعة — صفحة 574
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٧٤