الكتاب والسنّة فقط ، والحال أنّ الحياة لا تُدار بالفقه فقط ، ويقابله الفقه الأقلّي . وعندما يشرح لنا سروش الفقهَ الأقلّي فهو يفسّره بأنّه الرجوع لمصادر أخرى في إدارة الحياة غير الفقه والقانون ، بينما نجده عندما يُسقط نظريّة الأقلّي والأكثري في الدين على الأخلاق والعقيدة وغير ذلك ، فهو يفسّرها بأنّ الدين لا يعطي كلّ القضايا الأخلاقيّة بل الحدّ الأدنى منها ، ولا يعطي كلّ القضايا العقديّة بل الحدّ الأدنى منها ، وهذا يعني أنّ سروش كان عليه عندما أسقط نظريّته على الفقه أن يفسّر الفقه الأقلّي بأنّه الفقه الذي لا يستوعب تمام القوانين ، لا الفقه الذي لا يكفي لوحده في إدارة المجتمع ؛ لأنّه ليس سوى قوانين .
وإذا فسّر سروش الفقه الأقلّي بما قلناه سيكون معنى الفقه الأقلّي هو عدم شموليّة الشريعة - بما هي منظومة قانونيّة - لكلّ الوقائع ، بمعنى عدم وجود قوانين لكلّ الوقائع ، وهذه أقليّةٌ أبعد من أقليّة سروش نفسه .
ج - إنّ ثنائيّة : ( الأكثري - الأقلّي ) التي استخدمها الدكتور سروش تعبيرٌ غير دقيق بل موهمٌ ؛ وذلك أنّ هذه الكلمة تشي بأنّ الفقه يقدّم أقلّ شيء ممكن من المعطيات ، مع أنّ فكرة الأقلّي وفقاً لتعريف سروش تستوعب حالة تغطية الفقه لإدارة كلّ شيء في الحياة عدا نزر يسير جداً ؛ لأنّ سروش يصرّح بأنّه لا يوجد حدّ وسط ، فإمّا أن تؤمن أنت بالفقه بالحدّ الأعلى ، أو أن تكون من القائلين بالفقه بالحدّ الأدنى ، وهو يعرّف الحدّ الأعلى بأنّه ما يجعل البشر - لأجل سعادتهم الدنيويّة والاخرويّة - غير محتاجين لأيّ مصدر غير الكتاب والسنّة ، في كلّ أمورهم المتصلة بالاقتصاد والحكومة والتجارة والقانون والأخلاق ومعرفة الله وغير ذلك ، في مقابل الرؤية الأقليّة التي تعتبر أنّ الشرع في الموارد المذكورة لم يقدّم سوى الحدّ الأدنى اللازم وغير الكافي ، ومن هنا يستنتج سروش أنّه لا توجد حالة وسطى « 1 » ، وهذا الاستنتاج يبدو لي أنّه أخذه من دوران الأمر بين حالتي الاعتقاد بالكفاية وعدم الاعتقاد بالكفاية .
لكنّ هذه الطريقة في تناول الموضوع غير موفّقة ، بل هي ملتبسة ، بل هي لا تخدم سروش نفسه ؛ لأنّ سروش وضعنا بين خيارين عندما نلاحظ سياق طرحه للموضوع ، فإمّا أن نكون أكثريّين بالطريقة التي عرضها هو للأكثريّة ، أو أن نكون معه في تصويره الخاصّ للأقليّة التي
هامش
( 1 ) انظر : سروش ، بسط تجربه نبوي : 84 .