تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
الفقه الإسلامي يقبل مقولة سروش هنا في أنّه لا يقدّم خططاً تنموية هنا وهناك ، وإنّما يؤمّن لبرامج التنمية الحمايةَ ويحيطها بالإطار القيمي الأخلاقي ، ويوفّر لها سياقاً قانونياً ضابطاً يحول دون تحوّلها إلى طبقيّة فاحشة أو إلى استعباد وظلم وتعدٍّ وغير ذلك ، ولم نسمع من رموز الفقهاء الكبار عبر التاريخ أنّهم يرون الفقه أساساً في البرامج الصحيّة التي تقوم بها وزارة الصحّة ، أو أنّه يقدّم لوزارة الزراعة خططها وبرامجها ، بل هم يقرّون دائماً وكلماتهم صريحة واضحة بضرورة الرجوع إلى أهل الخبرة ، فهم يقولون بأنّ الفقه لا يجبر العظم الكسير وإنما تجبره خبرات الإنسان الطبيعيّة ، ولا يعطي الإنسان مالًا وإنّما تعطيه ممارسته في السوق وعمله ، وإذا كان هناك بعض المفرطين في العقود الأخيرة قد أوحوا بعكس ذلك فيحقّ لسروش الردّ عليهم ، لكنّ التراث الفقهي الإسلامي لا يحكي عن توجّهات مفرطة سائدة من هذا النوع . وإذا لم يكن الفقه برامج وخططاً تنمويّة ، فهذا لا يُضعف من شأنه ، تماماً كالدستور والقوانين المدنية والجزائية والجنائية والتجارية و . . فهل سيراها سروش بلا فائدة ؛ لأنّها لا تضع البرامج والخطط ، وإنّما تنظّم العلاقات وتحلّ المنازعات وترفع التزاحم المصلحي القائم بين الناس ؟ وهل يمكن قيامة التنمية دون قانون ؟ وهل سيكون هناك مجتمع أساساً دون قانون ؟ هذا هو ما يقوله الفقهاء عن أهميّة الفقه ودوره لا أكثر . نعم ، كلام سروش يصلح نقداً على الفهم الإطلاقي لأحاديث : ما من شيء إلا وهو موجود في الكتاب والسنّة ، كما تقدّم منّا تسجيل هذا النقد ؛ فإنّ هذا الفهم الإطلاقي يفترض الشمول لكلّ البرامج والخطط في كلّ زمان ومكان ، الأمر الذي يصعب الخروج منه إلا بمعطى أيديولوجي مسبق كما لاحظنا سابقاً وسوف نلاحظ لاحقاً بعون الله تعالى . وهذا ما يعني أنّ سروش كان عليه أن يسجّل نقداً آخر على المفارقة بين واقع الفقه الإسلامي ومجموعة نصوص شموليّة الدين التي بين أيدينا هنا ؛ فإنّ واقع الفقه الإسلامي - بل والعلوم الدينية كافّة - لم يستطع الاستجابة لحجم الدعوى التي أطلقتها هذه النصوص ، بناءً على فهمها الإطلاقي العريض ، رغم مرور أكثر من ألف عام على هذه الدعوى . ب - لم يكن تفسير مصطلح ( الفقه بالحدّ الأدنى / الفقه الأقلّي ) دقيقاً في كلام سروش ، وذلك أنّ سروش يعتبر أنّ الفقه الأكثري هو الفقه الذي يرجع في كلّ شيء لإدارة الحياة إلى