تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 570

مساهمون:

ص٥٧٠
فمثلًا لا أعتقد بأنّ هناك الكثير ممّن يرفض الفكرة التي تقول بأنّ الفقه بحاجة إلى خبراء العلوم في تسييل القوانين ، فإذا قال الفقيه بوجوب حفظ الغابات مثلًا فهو لا يدّعي عادةً بأنّ وسائل حفظ الغابات يُنتجها الفقه ، بل هو يقرّ بوجوب الرجوع إلى أهل الخبرة في إدارة عمليّة تطبيق القانون ، فالخطط والبرامج ليست عند الكثير من الفقهاء جزءاً من الفقه ، بل هي وسائل لتطبيق القانون يُرجع فيها لأهل الخبرة ، وبإمكان أيّ ناظر في التراث الفقهي عند المسلمين أن يكتشف مدى حضور موضوعة ( أهل الخبرة ) في المدوّنات الفقهيّة ، بوصفهم المرجع في تشخيص الواقع ، والمرجع في آليّات تطبيق القانون وتسييله ، فلماذا هذه المبالغة من الدكتور سروش في أخذ بعض الأمثلة لتصوير الفقه الإسلامي على أنّه يدّعي أنّ بإمكانه - مستقلًا عن سائر العلوم البشريّة - إدارة الحياة لوحده ؟ ! إنّ فقيهاً كبيراً مثل السيد محمّد باقر الصدر يصرّح بأنّ الشريعة لم تقدّم علم الاقتصاد للإنسانيّة ، بل قدّمت مذهباً اقتصاديّاً وإطاراً قانونيّاً لحركة الاقتصاد منطلقةً من مرجعيّة العدالة الاجتماعيّة ، وهذه شهادة واضحة في أنّ الفقيه المسلم - وهو هنا فقيهٌ شموليّ يؤمن بالإسلام السياسي ، ويرفع شعار ( الإسلام هو الحلّ ) - لا يدّعي أنّ فقه الاقتصاد بديلٌ عن علم الاقتصاد ، ولا الفقهاء بدائل للاقتصاديّين ، بل الفقه هو الجانب القانوني للحياة الاقتصاديّة . إنّني أعتقد بأنّ الطرف الذي كان ينبغي لسروش هنا أن يوجّه إليه مثل هذا النوع من الانتقادات ليس الفقهاء ، بل تياراتٌ اخَر ربما يكون لها وجود بين بعض الفقهاء ، مثل تيار أسلمة العلوم بمعنى وجود جميع العلوم والفنون في النصوص الدينيّة ، وهو تيّار آمن به الغزّالي من قبل ، ومثل بعض اتجاهات تيار ( العلم الديني ) المعاصر ، والذي طرح أصل فكرته أمثال الشيخ جوادي الآملي ، وإلا فالفقه الإسلامي في غالب مدارسه لا يذهب مثل هذه المذاهب ، ومن غير الصحيح محاكمة الفقه وفقاً لتوجّهات تيارات محدودة جداً فيه ، كما هي العادة السلبيّة التي تُمارس في الجدل القائم بين المذاهب . إذن ، نحن نوافق سروش على أنّ الأحكام ليست خططاً وبرامج كاملة ، لكنّنا نختلف معه في قوله بأنّ ما نحتاجه هو الخطط وليس الأحكام . إنّ هذا التبسيط من دور الأحكام لا يقوم على معطى علمي صحيح ، بل الصحيح هو أن نعطي الطرفين حقّهما وموقعهما ، وأعتقد أنّ