3 - تساؤلات حول ( أقليّة الفقه )
إنّني ممّن يتفق تماماً مع الكثير مما جاء في أطروحة سروش حول أقليّة الفقه ، مما عرضناه سابقاً عند بيان نظريّته ، فنحن نقبل بالتمييز بين القوانين والبرامج ، ونقبل بأنّ الدنيا لا تُدار بالفقه وحده ، وأنّ الإدارة المجتمعيّة تحتاج لسلسلة متعاضدة من العلوم يقف الفقه والقانون معها ، وقد ألمحنا إلى ذلك من قبل ، وأنّ توقّع أن يكون الفقه لوحده - بما هو فقه - حلّال جميع المشاكل غير دقيق .
كما أنّني من المؤمنين تماماً بأنّ الفقه قد تضخّم موقعه في الحياة الدينيّة ، بحيث ابتلع سائر جوانب الدين هو وعلم الكلام بمعناهما النمطي ، وأنّ تقدّم الفقهاء على سائر علماء الدين مفهومٌ غير مقنع ، وكأنّهم الوحيدون الناطقون الرسميّون باسم الدين ! حتى أنّك تجد أنّ الفقيه رغم عدم تضلّعه أحياناً في العلوم العقائديّة ، إذا أفتى برأيٍ عقديٍّ ما ، كان في الحياة الدينيّة مقدّماً على غيره ممّن قضى عمره في الدراسات الفلسفيّة والكلامية والعرفانيّة ، وتجد المفسّر مؤتمراً بأوامر الفقيه وفي درجةٍ تالية له . وهذا كلّه غير مفهوم عندي ، فكلّ الفرقاء يشاركون في فهم الدين من زواياه المتنوّعة ، وليس فهم الفقيه بما هو فقيه للقضايا الفلسفيّة والعرفانية والتفسيرية وغير ذلك مقدَّماً على فهم غيره ، ولا علم أصول الفقه هو علم أصول فهم الدين كما يصوّره بعضهم ، بل هو علم أصول فهم القانون من النصوص الدينيّة أو فهم النصوص القانونيّة ، وينفع شيئاً ما في غير ذلك . . نعم الفقيه في القضايا الحقوقيّة والقانونية مقدَّمٌ على من ليس مختصّاً بها ، ولو جمع الرجلُ الفقهَ إلى غيره فهو خير .
هذا كلّه أتفق فيه مع آخرين ، لكن لديّ هنا بعض المداخلات على ما طرحه سروش في قضيّة الأقليّة والأكثريّة في الدين ، ناظراً هنا فقط إلى زاوية الفقه خاصّة :
أ - إذا كانت بعض التيارات في الوسط الإسلامي تبالغ في المراهنة على قدرة الفقه الإسلامي على حلّ جميع المشاكل لوحده ، كما صوّر ذلك لنا سروش نفسه ، فإنّ تيارات عديدة داخل الاتجاهات الفقهيّة ولها رموزها الكبيرة لا تعتقد بمثل هذا ، دون أن تذهب بالفقه نحو الأقليّة التي طرحها سروش ، أو فلنقل : كان ينبغي لسروش أن يوضح أنّ التيارات الكبرى في الفقه الإسلامي هي تيارات أقليّة ، إذا حصرنا الموقف بين الأقليّ والأكثري .