أيضاً ؟ كنّا نترقّب من الدكتور سروش أن يقارب الموضوع بطريقة معياريّة ، وليس بطريقة توصيفيّة ، خاصّة ونحن نوافقه في عدم وجود تلازم ضروري ذاتي بين صدق شيء تضمّنته النصوص ، ودينيّة هذا الشيء بوصفه جزءاً من رسالة الأنبياء التي تتحوّل إلى عنصر من عناصر العلاقة بين الإنسان وربّه .
أظنّ أنّ سروش رسم الدين بالطريقة التي يميل هو إليها ، ثم بدأ بفرز الأمور التي هي خارج مدار تصوّره الخاص للدين ، دون أن يقيم برهاناً ، ثم حَكَم على النصوص الدينيّة ومحتوياتها تبعاً للصورة التي رسمها هو بنفسه من قبل ، مفتقداً في ذلك كلّه إلى الدليل . وحجرُ الزاوية الذي أوصله إلى هنا هو أنّه لم يسمح للنصّ أن يحكي عن نفسه .
بقي أن نلاحظ على الدكتور سروش أنّه لم يوضح لنا لماذا جعل العقيدة من ذاتيات الدين فيما الفقه من عرضيّاته ؟ وما هي العقيدة أساساً عنده وما هو معيارها ؟ ولماذا ظلّ النبيّ من ذاتيات الدين دون الأئمّة من أهل البيت ؟ مع أنّ مقاربة سروش للموضوعات تعطي أنّ النبيّ يفترض منطقيّاً أن لا يكون من الذاتيات ؛ لأنّه ليس سوى واسطة في إيصال ذاتيِّ الدينِ إلينا ، لا أنّه بنفسه ذاتيّ من الذاتيّات ، فلماذا لم يعتقد سروش بأنّ تصديق النبيّ ليس سوى وسيلة معرفيّة بشريّة للوصول إلى الدين نفسه في ذاتيّاته وجوهره ، لا أنّه هو من ذاتيّاته وجوهره ، خاصّة وأنّ النبيّ بكلّ تفاصيل حياته ليس سوى سلسلة من الوقائع التاريخيّة التي يفترض أنّ سروش لم يعتقد بكونها من الذاتيّات ؟
هذا كلّه يشي بأنّ نظريّة سروش لا تزال ناقصة وتحتاج للكثير من المكمّلات ، كما أنّها تعاني من فقدان المعايير الجليّة المبرهنة ، فضلًا عن تورّطها - في بعض الزوايا - بشيءٍ من التناقض والمفارقة ، إلى جانب أنّ الأسلوب البيانيّ للدكتور سروش - صاحب النظريّة - تقترب أحياناً من المبالغة في تقديم النتائج واستنباطها من المقدّمات ، فتعطي نتائج أكبر من حجم المقدّمات التي يفترضها ، وهذه مشكلة أعتقد بأنّ غير واحد يُتوقّع أن يلاحظها عليه ، فالعديد من مقدّماته صحيحة ، وتقدّم لنا نتائج نافعة ، لكنّ الخروج بتعميمات منها غير دقيق علميّاً .
من هذا كلّه ، يتضح أنّ معيار العرضيّة الذي وضعه سروش للفقه الإسلامي غير مقنع ، وليس أمامنا ما يثبت عرضيّة الفقه برمّته أو بغالبه ، سوى مسألة دنيويّة الفقه التي ستأتي قريباً بحول الله .
شمول الشريعة — صفحة 568
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٦٨