أنّ سروش فكّ الارتباط بين النصّ القرآني وصاحب النصّ وهو الله سبحانه وتعالى ، العالم المطلق ، فلماذا لا يكون هذا العالم المطلق قد اختار طريقة بيان رسائله عبر دمج الرسائل الكليّة بالوقائع الزمنيّة ، ومن ثمّ فالرسالة تظلّ أبديّة متعالية فيما الواقعة بذاتها تتحوّل لحدث زمني منقضٍ ، بمعنى أنّ الواقعة الجزئيّة هي مجرّد أنموذج لوقائع مشابهة في حياة البشر ، وبالتعليق عليها واتخاذ موقف منها يمكن استنتاج رؤية كليّة متحرّرة من الواقعة ذاتها بعد ذلك ، فعندما يخطأ المسلمون فيما فعلوه في معركة أحد ، فإنّ هذا الخطأ ليس ظاهرة منفردة عبر التاريخ ، بل هو بطبيعته ظاهرة متكرّرة في حياة البشر ، ومن ثمّ فالنصّ القرآني اختار اتخاذ موقف منها بوصفها أنموذجاً لظاهرة بشريّة متكرّرة متعالية عن الحصرية الزمكانيّة ، فمضمون الرسالة القرآنية ليس عرضيّاً ، وإن كان السبب الزمني لنزول هذا الموضوع عرضيّاً ، وهذا هو ما ترجع إليه كلمات العديد من علماء التفسير الإسلامي ، من أنّ المورد لا يخصّص الوارد ، وأسباب النزول لا تضيّق الحكم أو تحصره بها خاصّة ، وإلا فنفس الوقائع والحوادث والمجريات التاريخيّة ليست من أصل الدين بهذا المعنى ، لكنّ هذا لا يعني أنّ مضمونها الرسالي تحوّل إلى عَرَضيّ من عرضيّات الدين ، فالعلاقة مع الحدث التاريخي هي في الحقيقة علاقة مع الرسالة التي يتضمّنها هذا الحدث ، لا مع الوقائع الزمنيّة بما هي هي ، وربما يكون سروش أراد هذا المعنى لكنّ عبارته لم تكن وافية في ظنّي .
نعم ، بإمكان الدكتور سروش الدخول هنا في مساجلات داخل - دينيّة ، وداخل - تفسيريّة ؛ للمناقشة في مناهج الفهم هذه ، لا أن يتخذ موقفاً كليّاً بعرضيّة الأسئلة والأجوبة والقصص والوقائع وما يتّصل بها في الكتاب الكريم والسنّة الشريفة .
والكلام الذي قلناه هنا حول معياريّة العرضيّة في الفقه ، يمكن أن نقوله بعينه في معياريّة العرضيّة في القضايا الطبيّة والعلميّة والإنسانيّة التي تضمّنتها النصوص الدينيّة ، فقد اعتبر سروش أنّ الانتظار الحقيقي من الدين لا يكمن في هذه ، دون أن يقيم أيّ دليل على هذا الأمر رغم افتراضه صدقها جميعاً ، فمع فرض صدق جميع هذه القضايا العلميّة التي تضمّنتها النصوص كيف عرف سروش أنّها من العرضيّات ؟ ! وما هو البرهان الذي عنده على أنّها كذلك ؟ وما هو المعيار ؟ ولماذا لا يكون الدين - بعد فرض صدقها جميعاً - متقوّماً بمثل هذه
شمول الشريعة — صفحة 567
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٦٧