حتى نبني على الشيء مقتضاه ؛ إذ لعلّ ما يثبت تاريخيّاً من هذه الأشياء التي يفترض أن يختصّ بها العرب - لا ما كان قاسماً مشتركاً إنسانيّاً - ليس سوى القليل جداً ، بما لا يسمح بأخذه أساساً لاعتماد نظريّة عرضيّة الفقه بهذه السعة .
وبهذا يتبيّن أنّ هذا المعيار لا يصلح برهاناً مرجّحاً لعَرَضيّة الفقه بالطريقة التي قاربها سروش ، بل إنّ سروش لا يقدر على أن يقدّم لنا برهاناً - وليس مجرّد استئناس تميل النفس إليه - على أنّ الشريعة لو نزلت في غير العرب لكانت جميع أو أغلب أحكامها مختلفة عن الحال الحاضر ، بصرف النظر عن صحّة الاجتهادات الفقهيّة القائمة اليوم . إنّ هذه الفرضيّة غير ممكنة الإثبات علميّاً ( بعيداً عمّا سيأتي عند الحديث عن نظريّة المفكّر محمّد مجتهد شبستري ) ، كلّ ما نستطيع ترجيحه في مقاربة خارج - دينيّة هو أنّ بعض هذه التشريعات زمنيّة ذات صلة بالفترة أو المناخ المحيط ، أمّا أن جميع هذه المنظومة الفقهيّة هي كذلك ، فهو أمر لا يبدو إثباته ممكناً من ناحية علميّة ، ما لم يقم سروش بالاجتهاد الداخل - ديني ليتوصّل عبر مراجعة تمام هذه التشريعات وأدلّتها إلى إثبات زمكانيّتها أو على الأقلّ إبطال إطلاقيّتها الزمكانيّة المتعالية عن الملل والأقوام ، وهو ما لم يقم به سروش قطّ .
نحن نوافق على أنّ الاجتهاد المعاصر لا يقتصر على قضايا من نوع الاستصحاب والعلم الإجمالي ، بل هو فنّ الترجمة الثقافيّة أيضاً ، لكنّ هذا لا يصيّر الفقه عرضيّاً بالمعنى السروشي للكلمة ، بل يعيد إنتاج الفقه تحت سقف ضرورته وذاتيّته ، فلو سلكنا مسالك المقاصديّة ببعض مدارسها على الأقلّ ، فنحن بحاجة ماسّة لترجمة ثقافيّة ، لكنّ هذا شيء وعرضية الفقه التي طرحها سروش شيء آخر ، فلاحظ بنفسك .
المعيار الثاني : الأسئلة والأجوبة ، فحيث إنّ الفقه هو نظام الأسئلة والأجوبة ، فهذا يعني - عند الدكتور سروش - أنّه لا علاقة له بذاتيّات الدين ؛ إذ لو لم تقع الأسئلة لما حصلت الأجوبة ، مستشهداً بالآية الكريمة التي مرّت سابقاً ، وهنا يمكننا التعليق :
أوّلًا : إنّ الآية الكريمة - لو بقينا معها دون أيّ عنصر خارجي - ليس فيها أيّ إشارة لا من قريب ولا من بعيد ، إلى موضوع الفقه الإسلامي ، ففكرة السؤال والجواب فيها غير واضحة المتعلَّق ، كل ما يمكننا فهمه هو أنّ بعض الأمور كانوا يسألون عنها وكان تحصيل الجواب
شمول الشريعة — صفحة 564
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٦٤