فصار حاله أشبه بحال بعض نقّاده الذي أشكلوا عليه - مخطئين - في نظريّته حول القبض والبسط وتغيّر المعرفة الدينيّة ، من أنّ المعرفة وجودٌ ذهني ، والوجود الذهني مجرّد ، والمجرّد لا يتغيّر ! « 1 » ، فهؤلاء تعاملوا مع المعرفة تعاملًا أنطولوجيّاً فلسفيّاً ، فيما كان سروش يتعامل معها هناك تعاملًا إنسانيّاً تاريخيّاً اجتماعيّاً في أفق الصيرورة الزمنيّة ، وأظنّه ارتكب الخطأ نفسه هنا الذي وقع فيه تجاهَه بعضُ خصومِه من قَبْل .
وعليه ، فإذا قصد المعنى الأوّل فالنص صامت ، وإذا قصد المعنى الثاني فلا يصدق الصمت المطلق ولا الكلام المطلق ، وأما إذا قصد المعنى الثالث فالصمت صادق لكنّ المضمون غير صحيح ، من هنا نفضّل الاستعاضة عن مفهوم الصمت والخرس بثنائي النطق والصمت معاً .
يُضاف إلى ذلك كلّه أنّه كيف يفسّر سروش توصيف القرآن نفسه بأنّه بيان وهدى ونور وبصائر وتبيان ومبين وأمثال هذه التوصيفات ؟ وهل ينسجم ذلك مع إطلاق مفهوم الصمت ؟ بل كيف جعل سروش تفسير التجربة تفسيراً صحيحاً ، وكذلك تقوية الأخلاق في حياة البشر ، وتعريف الإنسان بما بعد الموت ، إحدى وظائف الدين وأغراضه ، ثم وصف النصّ هنا بأنّه صامت ووصف الدين بأنّه لا جهة له ، إذا قصد المعنى الإطلاقي للكلمة ؟ ! ألا يبدو أنّ هناك تناقضاً في البين ؟ ! أليس قيام الدين بهذه الأغراض هو نوعٌ من الهداية والتوجيه ؟ ! إلا إذا جعل الدين مفهوماً منفصلًا تماماً عن النصّ والتاريخ !
كما أنّ مجرّد وجود اختلافات تفسيريّة في النصوص لا يبرّر دعوى أنّ النصّ لا يحكي عن نفسه ولا يقف خلفه مرادٌ لقائله ، أصابته إحدى هذه التفاسير بنوعٍ من الإصابة ، فإنّ هذا الأمر لا نملك دليلًا على نفيه ، فإذا قال سروش شيئاً ما ، ثم فَسّر كلامَه الآخرون كلٌّ على طريقته ، فهذا لا يُثبت أنّ سروش لم يرد شيئاً من كلامه ، كما لا يُثبت أنّ تمام التفاسير لم تكن منفعلة بدرجةٍ ما بالنصّ عندما احتكّت به ، بحيث كان النصّ - بما يملك من أدوات انتقاليّة ذهنيّة قائمة على المواضعات اللغويّة والعرف الاجتماعي المكتنز في اللغة نفسها - موصلًا للرسالة من المرسِل إلى المتلقّي ، بل يشهد لما نقول أنّه رغم كلّ الاختلافات في تفسير النصوص الدينيّة ، إلا أنّ القواسم المشتركة التفسيريّة في النصوص لا تكاد تُحصى ، وما تزال باقية عبر التاريخ منذ
هامش
( 1 ) انظر - على سبيل المثال - : عبد الله جوادي آملي ، شريعت در آيينه معرفت : 342 - 344 .