الخارج - دينيّة في التأثير على العلوم الداخل - دينيّة ، وفق بيان خاص ، لكنّ نحت سروش مصطلح « الشريعة الخرساء » لا يبدو موفَّقاً ؛ لما يحمله من معاني قد لا تكون دقيقة ؛ فإنّه :
أ - إذا أريد من الخرس أنّ الكلام مجرّد أصوات والكتابة مجرّد ألوان على ورق ، وأنّه لولا وجود عقلٍ إنساني لن يكون لهذه الأصوات والألوان أيّ قدرة على النطق ، فهذا كلام صحيح لا أظنّ أنّ أحداً يناقش فيه ، ويصدق معه عنوان الخرس .
ب - وأما إذا أريد أنّ خلفيات القارئ وتساؤلاته تثير الذهن لأخذ جملة معطيات من النصّ أو الخطاب لم يكن الذهن ليذهب إليها من مجرّد سماع الخطاب أو قراءة النصّ ، بما يعني أنّ النصّ لولا إثارة الذهن يبدو وكأنّه لا ينبؤ عن ذاته ، فهذا الكلام صحيحٌ أيضاً ؛ فإنّ الكثير من النتائج التي توصّل إليها المفسّرون لاحقاً لم تكن تخطر على بال أحد ممّن سبق رغم قراءتهم النص أو سماعهم الخطاب آلاف المرات ، مما يجعل دور الإنسان هنا هو دور الفاعل والنص هو المنفعل بهذا المعنى للفعل والانفعال .
ج - وأمّا إذا أريد أنّ النصّ لا يُعطي أيّ شيء ، وأنّ من يسمعه لا يخطر في باله معطى ينفعل الذهن فيه من خلال سماع الخطاب ، وأنّ المعنى الذي جاء في الاحتمال الثاني يسري إلى تمام مدلولات النص ومعطياته ، فهذا المعنى يصحّ توصيف الشريعة معه بالخرساء ، لكنّه في حدّ نفسه غير صحيح ؛ لأنّ النص أو الخطاب يُحدثان في العقل صورةً يقصدها المتكلّم . صحيحٌ أنّ حدوث هذه الصورة يحتاج إلى مقدّمات مادية وعقليّة كتحقّق الوعي عند المخاطب مقابل الإغماء والنوم أو كونه فاهماً للغة ومعاني الكلمات أو غير ذلك ، لكنّ هذا لا يبرّر توصيف النص أو الخطاب بالصامت أو تشبيهه بالطبيعة الصامتة « 1 » ، وهذا الاستنتاج حول الصمت عندما يُؤخذ على إطلاقه العريض هذا ، فهو يخالف الإدراك الإنساني الفطري لظاهرة التحاور والكلام المعروفة في حياة البشر ، بل لن يكون في الوجود حينئذٍ إلا الخرس ، وكان يجب البرهنة منطقيّاً على إطلاقيّة الدعوى المذكورة .
في ظنّي أنّ سروش تعامل مع ظاهرة الفهم تعاملًا فلسفيّاً تجريديّاً ، على طريقة الهرمنوطيقا الفلسفيّة ، ولم يتعامل معها تعاملًا في أفق الصيرورة التجربيّة الإنسانية التاريخيّة والاجتماعيّة ،
هامش
( 1 ) على تقدير التسليم بأنّ الطبيعة صامتة ، وهذا كلام آخر .