معرفيّة في تعامل الإنسان مع النصّ القرآني ، بل إلى خاصية أخلاقيّة ، وهي تعني أنّ من يتق الله ويخشاه فهو قابلٌ لأن ينتفع بالتوجيه القرآني ، ومن يصبح قلبه طاغياً فإنّ النصّ القرآني سيكون طيّعاً بالنسبة إليه كي يستغلّه أسوأ استغلال .
وبهذا نكتشف أنّ هذه الآيات بنفسها دالّة على التوجيه ، غاية الأمر أنّ الإنسان بصفاته الأخلاقيّة قادر على أن يتلقّى هذا التوجيه ليكون هداية له أو أن يتلقّاه ليكون ضلالًا .
ويشهد لما نقول أنّ القرآن الكريم في مواضع - وهذا ما لم يُشر إليه سروش - نصّ على أنّ الوحي والكتاب هداية للناس أجمعين ، وهذا يناقض ما قاله سروش ، فالكتاب بنفسه يمثل هداية للجميع ، وهذا شاهد على أنّ له جهة حتى لو فرض أنّ بعض من ينحرف أخلاقيّاً بإمكانه أن يوظّف الكتاب ويستغلّه أسوأ استغلال ، أو أن يُصبح انحرافه الأخلاقي دافعاً له لفهم الكتاب بطريقة منسجمة معه .
إنّ الآيات القرآنية التي استدلّ بها سروش هنا لا تفيد الحصر ، لا من الناحية اللغوية ، كما هو واضح ، ولا حتى من الناحية الموضوعيّة بعد أخذ القرآن كلّه ضمن سياق الرصد والتأليف ، فالقرآن الكريم وصف نفسه بقوله :
( شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )
( البقرة : 185 ) ، وقال تعالى :
( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ )
( آل عمران : 3 - 4 ) ، وقال سبحانه :
( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ )
( آل عمران : 96 ) ، وقال تعالى :
( قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ )
( الأنعام : 91 ) .
إنّ هذه الآيات تدلّ على أنّ المنزل من الوحي الإلهي كان هدى وبياناً ورحمة وموعظةً للناس جميعاً ، والسبب في تنوّع الآيات يبدو لي واضحاً ، فإنّ المواعظ الأخلاقيّة هدى للناس ، لكنّ تحقق الهداية بوصفها أمراً عينياً خارجياً واقعياً ليس بيد الهادي نفسه ، بل هو بحاجة إلى