الطرف الآخر ؛ إذ بعناد الطرف الآخر لا تحصل الهداية الخارجيّة ، فعندما يتمّ توصيف الكتب السماوية بأنّها هداية للناس فهذا يعني النظر إلى جانب المؤثر والهادي والفاعل ، وأمّا عندما توصف بأنّها هداية للمؤمنين ، فإنّ ذلك بمعنى تحقّق الاستجابة منهم وفعلية الهداية خارجاً ، وانبعاثهم عن هديها ، وتلقّي أرواحهم السليمة لرسالتها بإيجابيّة ، ومن هنا يصحّ لأستاذ المدرسة أن يقول : إنّ درسي ينفع كلّ طلابي ، وفي الوقت نفسه يقول : إنّ درسي نفعٌ للمجدّين من طلابي ، وعليه فلا يصحّ استشهاد الدكتور سروش من جهة ، بل لم يكن هذا الاستشهاد موضوعيّاً دون استحضار سائر النصوص القرآنيّة ، لتكوين صورةٍ صحيحة .
وإذا رفض سروش هذا التفسير للنصوص القرآنيّة التي استشهد هو بها ، فلا أقلّ من ضرورة أن نقرّ جميعاً بأنّ القرآن هداية للناس وفي الوقت عينه هو هداية بنوع خاصّ للمؤمنين ، والثانية لا تنفي الأولى ، ولا تشير النصوص إلى كون الثانية نافية للأولى ، وإلا فنحن نسأل سروش : إذا كان الدين - بتعريف سروش له ولأغراضه - جاء لهداية المتقين ، فما الذي ينفعنا به بعد أن وصلنا لمرتبة التقوى بما تحمله هذه المرتبة من دلالة في القرآن الكريم ، خاصّة وأنّ الآية التي استند إليها سروش تشرح حال المتقين حيث تقول :
( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )
( البقرة : 3 - 5 ) ؟ ! إذا كان الغرض من الدين كما قال سروش هو تقوية الأخلاق أو بالتعريف بالآخرة فالمفترض أنّ المتقي - وفقاً لهذه الآيات - قد حصلت له هذه الحالة ، فكيف يفسّر سروش الموقف هنا ؟ !
وبناءً على ذلك كلّه ، لا يصحّ كلام سروش من أنّ صيرورة الدين ذا جهة ينافي شرط الإيمان والتقوى ، بل الدين يوجّه الإنسان بما هو إنسان ، غاية الأمر أنّ هذا الإنسان إذا أسلم لفطرته وروحه الأخلاقيّة الكامنة فيه ، استجاب لنداء الدين والوحي ، فارتقى في الهداية أكثر فأكثر ، وإلا قطع الطريق على الهداية الإرائيّة للدين ، بل أمكنته نفسُه من تحويل الدين الهادي - في أفق ذاته - إلى ضلال ، والنظر إليه بعيون معكوسة .
وإذا أردتُ أن أضمّ مفهوم ( الشريعة الصامتة الخرساء ) إلى مفهوم ( الدين لا جهة له ) ، فيمكنني القول بأننّا نقبل بتأثير الخلفيّات المعرفيّة للقارئ في فهم النص ، ونقبل بدور العلوم