موجوداً ، علماً أنّ مجرّد عدم الإكراه لا يبرّر توصيف الدين بأنّه لا جهة له ، كما لا يبرّر القراءة الخارج - دينيّة له حصراً ، بل له جهة غاية الأمر أنّه لا يُلزم الناس قهراً بها .
من هنا لا يبدو واضحاً وجود دقّة في اختيار أو نحت مصطلح التوجيه - الصمت الذي استخدمه عبد الكريم سروش هنا ، إلا في سياق بعض مدارس الهرمنوطيقا المعاصرة التي تجعل النصّ صامتاً ليست لديه قدرة الحكاية ، وهذه فكرة بعيدة كلّ البعد عن الحياة المعرفيّة العقلائيّة ، فسروش عندما يشرح كلام الغزالي وبازرگان وإقبال ومطهري وشريعتي وغيرهم من عشرات المفكّرين ، فهو ينسب إليهم تفسيره لكلامهم بكلّ عفويّة ووجدانيّة ، رغم أنّه لا يمكنه الوصول - وفقاً لقناعاته - لليقين النهائي بالنسبة ، ولا نريد هنا في النص الديني أكثر من هذا ، فلماذا عندما نصل للنص الديني نصبح غير قادرين على نسبة شيء إليه ، وكأنّه لا يُرشدنا إلى قناعة صاحبه ؟ ! فلنفرض أنّ صاحب النصّ هو شخصُ النبيّ محمّد مثلًا ، ونحن نبحث بكلّ حياديّة ممكنة عن قناعاته في الحياة والوجود ، فلماذا يصبح من العسير علينا أن نفهم مراده فهماً عفويّاً ولو بنسب ضئيلة ومحدّدة بشكلٍ يقيني عقلائي نتمكّن من خلاله من إدارة حركتنا وحياتنا ؟ !
بل لو صحّ كلام سروش على إطلاقه في الصمت المطبق وعدم التوجيه ، فهذا يعني أنّه لا يوجّه أحدٌ أحداً في حياة البشر ؛ لأنّ التوجيهات تكون عبر اللغة والإشارات ، وهذا المعنى لا يقبل به إلا بعض الوجوديّين الهرمنوطيقيّين ، وهو مبنى نختلف معه تماماً ولا مجال لمناقشته التفصيليّة هنا ؛ لأنّه يفرض العالم الخارجي مجرّد ظواهر يؤثر التحاثّ بها على فضاء الذات الداخليّة لا غير ، وإلا فالفاعل دوماً هو الذات والكينونة الإنسانيّة .
بل حتى العقل الإنساني لن يكون موجّهاً للإنسان أبداً ؛ لأنّ الإنسان بإمكانه أن يتعامل مع العقل تماماً كما يتعامل مع النصوص ، فيحرّكه كما يشاء ، وتختلف طريقة وصوله للمعرفة والحقيقة تبعاً لتقواه وكفره حتى لو كان السبيل هو العقل نفسه .
كما أنّ النصوص القرآنيّة التي استعان بها سروش هنا واضحة في أنّ خاصية انتفاع الإنسان بالدين والقرآن هي خاصية أخلاقيّة وليست خاصية معرفيّة ، فلم تقل النصوص بأنّ القرآن هدى للفلاسفة أو للعقليّين ، وأنّه ضلالٌ لعلماء الطبيعيّات على سبيل المثال ، بل قالت بأنّه هدى للمتّقين وضلالة للكافرين المعاندين ، وهذا يعني أنّ نظر القرآن الكريم هنا ليس إلى خاصيّة
شمول الشريعة — صفحة 556
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٥٦