في انطلاقة سروش هنا من المقاربة الخارج - دينيّة ، لكن ما وجه صحّة هذه الفكرة ؟ بل ما معنى هذه الفكرة أساساً ؟
أ - من الممكن أن يقصد سروش من هذه الفكرة أنّ الدين يمكن أن ينتهي بالإنسان نحو الصلاح ، ويمكن أن يجرّه نحو الفساد ؛ تبعاً لأداء الإنسان نفسه معه ، فقابليّة الدين لذلك تعني أنّ هذا الدين ليس له نتائج محدّدة وحركة صارمة يسير فيها بالإنسان ، وإنّما هي مسألة الإنسان نفسه ، وهذا المعنى محتملٌ جداً من كلام سروش ، لا سيما مع الشواهد والآيات التي ذكرها .
وهنا نسأل : هل قابليّة شيءٍ ما لمثل ذلك معناه أنّه لا يوجّه الإنسان ولا يعطيه جهةً محدّدة ؟ وهل أنّ التوجيه يساوق الإكراه وسلب الإنسان لحريّته في التعاطي مع هذا الموجّه ؟ وهل أنّ قابليّة شيءٍ لكي يتمّ استغلاله بطريقين متناقضين معناها أنّه في نفسه لا يوجّه الإنسان نحو طريقٍ معيّن ؟ وإذا كان لا يوجّه الإنسان نحو شيء ، فلماذا كانت النبوّات ؟
أعتقد أنّ سروش لم يبرهن على هذه النقطة بالذات ، فضلًا عن أنّ وقائع الأشياء على عكسها ، إلا إذا قصد نحت مصطلح خاص به في الموضوع ، فكلامه يعني أنّ كلّ القوانين وكلّ الدساتير وكلّ النظم والنظريّات الإنسانيّة بل وكلّ القضايا العلميّة تتصف بهذه الصفة أيضاً ؛ لأنّ الإنسان قادر على إساءة استغلالها في أكثر من موضع ؛ لأنّ الأفكار والقيم والمثل والمقاصد كلّها مما يمكن استغلاله سلباً وإيجاباً ما لم تتحوّل هذه الأفكار إلى سلطة الواقع ، فتَفْرِض على الإنسان - بنحو من أنحاء الفرض - الاستجابةَ لها ، وهو أمر يمكن أن يحصل في الدين نفسه كذلك .
ونحن نسأل : هل قابليّة الدين لكلّ هذا تضرّ به أساساً وتوصلنا إلى ما توصّل إليه سروش ؟ لنفرض أنّ فكرةً ما تتسم بهذه القابليّة المشار إليها ، فهل تعني هذه الفكرة أنّها لا توجّه الإنسان نحو شيء ، حتى لو لم يستجب أو قام بالتلاعب بهذا التوجيه ؟
إنّ التوجيه لا يستدعي - منطقيّاً - حصول الاستجابة من الطرف الآخر حتى نشرطه به ونرهن مصيره له ؛ لأنّ التوجيه فعل الموجِّه لا الموجَّه الذي فعله التوجّه .
ب - أن يقصد أنّه ليس في الدين إكراهٌ وإلزام خارجي ، بل هو مجرّد أفكار وقيم وأخلاقيّات ، وهذه الفكرة غير واضحة ؛ لأنّ الإسلام فيه إكراه بالمعنى القانوني لا بالمعنى السلبي ، فعندما يكون هناك حدود وقصاص وقضاء فإنّ الإلزام ببُعده القانوني سوف يكون
شمول الشريعة — صفحة 555
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٥٥