الفقه الدنيوي وفكّكنا ألغازه وأسراره وطرحنا الهالات والرموز التي تحيط به ، وهجرنا الفقه الأسطوريّ نحو الفقه العقلاني بانتهاج نهج العقلانيّة ، فإنّنا لن نجد سوى مجموعة من الأحكام الخاضعة دوماً للاختبار الزمكاني ، ومن الواضح أنّ الأحكام ليست منهجاً ، وما يحتاجه الناس هو المنهج وليس الأحكام ، فليس في الفقه خططٌ وبرامج ، بل هناك مواقف من أحداث وأعمال ، ولا تُدار الدنيا بهذه الطريقة ، بل هذا ما يجعل الفقه غير قادر على استيعاب تمام جوانب الحياة البشريّة ، بل يحتاج إلى سائر العلوم الدنيويّة ، فلو حصلت مشاكل بيئية ، فهل الفقه لوحده قادر على حلّها وحماية البيئة أو أنّه يحتاج إلى خطط بشرية لمواجهة الظواهر المستجدّة ؟ ومن ثم فالحديث عن أنّ الفقه يحلّ جميع مشاكل البشر قاطبة غير صحيح .
وسروش يقوم هنا بتحليل قضيّة العلاقة بين الفقه والسياسة عبر القول بأنّ الفقه لا يعني أنّنا نستنتج تمام القضايا السياسيّة من الكتاب والسنّة ، بل يعني أنّ العقل يقوم بإدارة الحياة السياسيّة من خلال مراعاة أصول الكتاب والسنّة ، بل إنّ تديّن المجتمع سوف يُلقي بظلاله بشكلٍ تلقائي على نمط الممارسة السياسيّة فيه ، وبهذا تعني السياسة الدينيّة سلامة الفعل العقلي الإداري من التناقض مع القيم الدينيّة من جهة وانسجام هذا الفعل مع مستويات التديّن الاجتماعي العام من جهة ثانية « 1 » .
وكأنّ سروش يريد نقد بعض التصوّرات التي تطلق عادةً شعار أنّ تطبيق الشريعة هو الحلّ لكلّ قضايا الإنسان ، وأنّ إدارة المجتمع تكون بالفقه وأنّ مدير المجتمع هو الفقيه ، لهذا يرى سروش أنّ الدينَ حَكَمٌ فيما يحدث ، وليس مصدراً لحلّ المشاكل ؛ حيث لا يزوّد الإنسان لا بالعلم ولا بالفلسفة ولا بالفنّ ولا بالإدارة ولا بعلم الاجتماع ولا بأيّ شيء من العلوم الطبيعيّة أو الإنسانيّة ، لهذا كان أكبر الخطأ أن نفتّش في الدين والفقه على حلول لكلّ قضايانا الأخرويّة والدنيويّة ، وإنّما يكون ذلك بالعقل الجمعي والتدبير العقلاني القادر على تشخيص المصالح والمفاسد ، وبهذا أنزل سروش الفقه من عليائه ليكون آخر سلسلة العلوم الدينيّة بدل أن يكون الأوّل فيها .
هذه التصورّات التي يطرحها سروش تستقي ينابيعها من اطروحاته في العلاقة بين الدين
هامش
( 1 ) انظر : بسط تجربة نبوي : 90 - 91 ، 344 - 345 ، 355 - 374 .