تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 551

مساهمون:

ص٥٥١
فيما بعد ، جعل إدارة الحياة علماً قائماً بنفسه ، والفقه بين ذلك ليس سوى حلّال المشكلات القانونيّة والحقوقيّة لا غير ، وهو يقدّم الأوامر القانونيّة ولا يضع المناهج لإصلاح الواقع ، وليس لديه أيّ برنامج في هذا الصدد « 1 » . إلى هنا ربما لا يكون سروش شديد الاختلاف مع الآخرين في تمييزه الفقه عن غيره ؛ لأنّ هذا الترتيب مجرّد مَوْضَعَة للفقه في وسط العلوم الشرعيّة ، رغم كونه يقلّل من شأنّه السائد ، وهو تقليل لا يُرضي كثيرين بالتأكّد ، لكنّ سروش بصبّه الفقه في القالب الدنيوي أراد أن يحكم عليه بقوانين هذه النتيجة ، فرأى أنّ دنيويّة الفقه وكونه حلًا لقضايا الاجتماع البشري يعني أنّه صار علم الحقوق ، ومن ثم - وهنا النقطة المركزية - لا يمكن فيه الحديث عن مصالح خفيّة وغيبية وملاكات غامضة ، بل لابدّ فيه من الانكشاف ، وينتج عن ذلك أنّ الفقه عندما يُدار في مكانٍ ما ثم يُنتج فشلًا هنا أو هناك ، فإنّ عليه أن يتغيّر ويُستبدل ؛ لأنّه لم يؤدّ وظيفته الدنيوية التي أوكلت إليه ، فما دام الفقه دنيوياً فهو عقلائي عقلاني عاجلي قابل للاختبار والتجربة ، أما لو كان اخرويّاً فيمكن إحاطته بهالةٍ من الأسرار والخفايا الآجلة ، بل إنّ هذه الذهنيّة التي تسود الفقه - الذهنية الأسراريّة في عالم الملاكات والمصالح - هي التي تعيقه عن أن يُنتج ويتقدّم مع الحياة . وبهذا يُبدي سروش أسفه على غياب فقه المقاصد بين المسلمين ، وهيمنة فقه الأسراريّات - سواء على الطريقة الأشعريّة التي تقوم بتحييد مرجعيّة المصالح والمفاسد في التشريعات أم على الطريقة المعتزليّة والإماميّة التي تقوم بوضع هذه المصالح الواقعيّة خلف ستار من العتمة والرمزيّة - وبهذا قام الفقهاء بوضع إحدى قَدَمَي الفقه في الآخرة ، حيث صار الفقه لا ينجلي لنا في تأثيراته إلا يوم القيامة ، فأخرجوه من دنيويّته التي جاء لأجلها ، وهذا ما جعل بعض المتولّين للشؤون الاجتماعيّة والسياسيّة يستخدمون ( الاستخارة ) لاتخاذ بعض المواقف على حدّ تعبير سروش ! من هنا ، يذهب سروش إلى أنّ الإدارة لا يمكن أن تقوم إلا على العقلانيّة وفهم الأغراض والمصالح والمفاسد ، ولا يمكن إدارة مجتمع بأسرار ومصالح خفيّة ، وعند ذلك لو تأمّلنا في
هامش
( 1 ) انظر : سروش ، قصه أرباب معرفت 1 : 33 - 54 ؛ وبسط تجربه نبوي : 71 - 73 ؛ ومدارا ومديريت : 253 - 257 ، 274 - 275 ، 276 ، 326 - 327 .