الدنيا مزرعة الآخرة ، ولا يتمّ الدين إلا بالدنيا ، والملك والدين توأمان . فالدين أصل والسلطان حارس ، وما لا أصل له فمهدوم ، وما لا حارس له فضائع ، ولا يتمّ الملك والضبط إلا بالسلطان ، وطريق الضبط في فصل الحكومات بالفقه ، وكما أنّ سياسة الخلق بالسلطنة ليس من علم الدين في الدرجة الأولى ، بل هو معين على ما لا يتمّ الدين إلا به ، فكذلك معرفة طريق السياسة . فمعلوم أنّ الحج لا يتم إلا ببذرقة « 1 » تحرس من العرب في الطريق ، ولكنّ الحج شيء وسلوك الطريق إلى الحجّ شيء ثان ، والقيام بالحراسة التي لا يتمّ الحج إلا بها شيء ثالث ، ومعرفة طرق الحراسة وحيلها وقوانينها شيء رابع . وحاصل فنّ الفقه معرفة طرق السياسة والحراسة . . فإن قلت : هذا إن استقام لك في أحكام الجراحات والحدود والغرامات وفصل الخصومات فلا يستقيم فيما يشتمل عليه ربع العبادات من الصيام والصلاة ، ولا فيما يشتمل عليه ربع العادات من المعاملات من بيان الحلال والحرام . فاعلم أنّ أقرب ما يتكلّم الفقيه فيه من الأعمال التي هي أعمال الآخرة ثلاثة : الإسلام ، والصلاة ، والزكاة ، والحلال والحرام . فإذا تأمّلت منتهى نظر الفقيه فيها ، علمت أنّه لا يجاوز حدود الدنيا إلى الآخرة ، وإذا عرفت هذا في هذه الثلاثة فهو في غيرها أظهر . . « 2 » .
هذه الفكرة يكرّرها الغزالي في مواضع من أعماله العلميّة ، خاصّة في كتاب ذمّ الدنيا من الإحياء « 3 » ، وهو يرى أنّ الفقه هو مجرّد مرتبة أولى تمثل طريقاً للذهاب نحو مرتبة أعلى ، وإلا فالقرب من الله لا يأتي عبر الإجارة والتجارة ، والخوف والزهد لا يأتيان من فقه الشافعي ولا الحنفي ، بل من بناء القلوب وإعمار الأرواح ، ولهذا أيضاً يلاحظ كيف أنّ الغزالي يأخذ على الفقهاء - كما يأخذ دوماً على المتكلّمين - غرقهم في الاختلافات الفقهيّة وغرورهم في معالجة هذه الموضوعات . وبهذا يصبح تصوّر الغزالي تصوّراً أقليّاً للفقه بمعنى ما ، فهو مجرّد الخطوة الأولى وليس منتهى الخطوات .
إنّ هذا ( التصوّرَ الغزاليَّ ) للفقه ، يأخذه سروش مستمسكاً له ، بل يضيف عليه بأنّ الغزالي وأمثاله كانوا يتصوّرون الفقه هو الإدارة الوحيدة للحياة ، بينما نمط الحياة المعقّدة الذي ظهر
هامش
( 1 ) أي الخفر والحرّاس .
( 2 ) إحياء علوم الدين 1 : 34 - 38 .
( 3 ) المصدر نفسه 3 : 269 - 275 .