تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 549

مساهمون:

ص٥٤٩
دراسة مقارنة بين أبي حامد الغزّالي والفيض الكاشاني - وقد كان يُطلق عليه سروش في موضعٍ آخر ( الغزّالي الشيعي ) « 1 » - وذلك في مقالته الشهيرة ( جامه تهذيب بر تن احياء ) ، فيلاحظ أنّ الغزالي في عنونته للباب الثاني من كتاب العلم في إحياء علوم الدين يستخدم الجملة الآتية : في العلم المحمود والمذموم وأقسامهما وأحكامهما ، وفيه بيان ما هو فرض عين وما هو فرض كفاية ، وبيان أنّ موقع الكلام والفقه من علم الدين إلى أيّ حدٍّ هو ، وتفضيل علم الآخرة « 2 » . هذا النصّ من الغزالي يرشدنا - كما يقول سروش - إلى غايته وهدفه ، يقول الغزالي بعد ذلك : بيان العلم الذي هو فرض كفاية ، إعلم أنّ الفرض لا يتميّز عن غيره إلا بذكر أقسام العلوم ، والعلوم بالإضافة إلى الفرض الذي نحن بصدده تنقسم إلى شرعيّة وغير شرعيّة ، وأعني بالشرعية ما استفيد من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه ، ولا يرشد العقل إليه . . وأمّا العلوم الشرعيّة وهي المقصودة بالبيان ، فهي محمودة كلّها ، ولكن قد يلتبس بها ما يظنّ أنّها شرعيّة وتكون مذمومة ، فتنقسم إلى المحمودة والمذمومة . أمّا المحمودة فلها أصول وفروع ومقدّمات ومتمّمات ، وهي أربعة أضرب . . الضرب الثاني : الفروع . . وهذا على ضربين : أحدهما يتعلّق بمصالح الدنيا ويحويه كتب الفقه ، والمتكفّل به الفقهاء وهم علماء الدنيا . والثاني ما يتعلق بمصالح الآخرة وهو علم أحوال القلب وأخلاقه المحمودة والمذمومة . . فإن قلت : لم ألحقت الفقه بعلم الدنيا وألحقت الفقهاء بعلماء الدنيا ؟ فاعلم أنّ الله عز وجلّ أخرج آدم عليه السلام من التراب ، وأخرج ذريّته من سلالة من طين ومن ماء دافق ، فأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام ، ومنها إلى الدنيا ، ثم إلى القبر ، ثمّ إلى العرض ، ثم إلى الجنة أو إلى النار ، فهذا مبدؤهم وهذا غايتهم ، وهذه منازلهم . وخلق الدنيا زاداً للمعاد ليتناول منها ما يصلح للتزوّد ، فلو تناولوها بالعدل لانقطعت الخصومات وتعطّل الفقهاء ، ولكنّهم تناولوها بالشهوات فتولّدت منها الخصومات ، فمسّت الحاجة إلى سلطان يسوسهم ، واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به . فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسّط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات ، فكان الفقيه معلّم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق وضبطهم ، لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا . ولعمري إنّه متعلّق أيضاً بالدين ، ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا ، فإنّ
هامش
( 1 ) انظر : سروش ، تفرّج صنع : 370 . ( 2 ) إحياء علوم الدين 1 : 32 .