صفة القانون الديني عليها ، بل إنّ هذا ليس سوى عَلْمنة للفقه في العصر الحديث ، ولا علاقة له بإجراء الأحكام الإلهيّة ، بل هو نشاط عقلائي عادي يمارسه العقلاء في كلّ مكان وزمان ، وعقولهم هي مرجع تشخيص المصالح ووضع القوانين .
وبتركيب هذه العناصر التي قدّمها سروش تصبح النتيجة عنده على الشكل الآتي : إنّ الفقه للآخرة ، وإذا كان للدنيا فليس سوى ثروة قانونيّة ، وهذه الثروة القانونيّة ليست سوى تبيان لتنظيم حياتي بمستوى أقلّ ، وليس بالحدّ الأعلى ، وإذا كان للآخرة فهو كذلك لا يحقّق لنا سوى الحدّ الأدنى من المراتب الأخرويّة .
وسروش في هذا كلّه يؤكّد أنّ مقصوده هو الفقه الواقعي ( الشريعة ) لا علم الفقه ، وإلا فعلم الفقه ليس سوى علم بشري يسير في طور التكامل ، وليس كاملًا ، تماماً كأيّ علم من العلوم ، كيف وكثير مما فيه ليس سوى أحكام ظنيّة .
وبهذا يستمرّ سروش ليرى الأقليّة خارج الفقه نحو سائر أضلاع الدين ، فيؤمن بالأقليّة الدينيّة في الأخلاق ، وفي العلوم الطبيعيّة والإنسانيّة ، بل في العقائد أيضاً « 1 » ، مما لا نطيل باستعراضه هنا لخروجه من مجال بحثنا .
رابعاً : من دنيويّة الفقه إلى اختبار المقدَّس
لقد لاحظنا حتى الآن كيف أنّ سروش يذهب نحو دنيويّة الفقه في شيء من التنزّل عن النزعة الاخرويّة التي يؤمن بها ، لكنّ سروش لا يترك قضيّة الدنيويّة الفقهية هكذا ، بل هو يلاحقها ليصل بها إلى مآلاتها ، وهو يطرح قضيّة دنيويّة الفقه ، وأنّه علم دنيوي وليس اخرويّاً في مواضع متعدّدة من كتبه ، بالتفصيل تارةً والإجمال أخرى « 2 » .
ربما يصحّ القول بأنّه تبدأ رحلة سروش هذه في كتابه ( قصّه أرباب معرفت ) ، حينما يجري
هامش
( 1 ) راجع حول نظريّة الدين الأقلّي والأكثري وكذلك الفقه والثروة الأحكاميّة و . . : سروش ، بسط تجربة نبوي : 83 - 112 ، 362 - 363 ؛ ومدارا ومديريت : 138 - 139 ، وقصّه أرباب معرفت 1 : 48 - 53 .
( 2 ) انظر : سروش ، بسط تجربة نبوي : 71 ، 90 ؛ وقصّه أرباب معرفت 1 : 33 - 45 ، 176 - 177 ، 353 - 411 ؛ ومدارا ومديريت : 138 - 139 ، 191 - 193 ، 353 - 380 .