تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
يخفّف من السرقة ، فإذا سرق شخص عندها قطعنا يده ، تماماً كما يقول بعض الفقهاء في قضيّة المرتدّ في زمان الشبهة والشكّ . والأقليّة هذه تجري عند سروش في العبادات أيضاً ، فالصلوات الخمس هي الحدّ الأدنى وليست الأعلى . ويرى سروش أنّ الفخر الرازي يؤكّد مقولة الدنيويّة الدينية بالحدّ الأدنى ، وذلك في نصّه الواضح الذي يقول فيه : إنّ حرفة النبوّة والرسالة عبارة عن دعوة الخلق من الاشتغال بالخلق إلى خدمة الحقّ ، ومن الإقبال على الدنيا إلى الإقبال على الآخرة ، فهذا هو المقصود الأصليّ ، إلا أنّ الناس لمّا كانوا حاضرين في الدنيا ومحتاجين إلى مصالحها وجب أن يكون له خوض في هذا الباب أيضاً بقدر الحاجة « 1 » . وانطلاقاً من هذه الفكرة ، يميّز سروش بين الثروة الأحكاميّة التي يحملها الفقه والثروة البرمجيّة ، فالفقه مهما فعل ليس سوى مجموعة من الأحكام والقوانين ، ولكنّ الحياة لا تُدار بالقانون فقط ، ولا تُحلّ المشاكل الاقتصاديّة والسياسيّة والأمنيّة والعسكريّة ولا غيرها بالقوانين ، وإن كانت ضروريّة ولازمة ، إنّما نحن بحاجة إلى برامج وخطط أيضاً ، وهي لا تأتي من الفقه ، بل تأتي من العلوم البشريّة المختلفة ؛ فحفظ الغابات والثروات الطبيعيّة لا يمكن أن يكون بالفقه ، بل يحتاج لبرامج تساهم فيها علومٌ متعدّدة ، وكذلك حلّ مشاكل الإدمان والبطالة والتضخّم وغير ذلك . ويلاحظ سروش الجواب النمطي المتعارف في أوساط المشتغلين بالفقه الإسلامي ، وهو أنّ ما تطرحه الشريعة ليس الأحكام الأوّليّة فقط ، والتي لاحظ فيها سروش الطابع الأدنى ، بل هناك أيضاً الأحكام الثانويّة التي يمكنها أن تغطّي الحدود العليا التي نحتاجها ، ففي الأمثلة الأربعة التي طرحها سروش يمكن إجراء العنوان الثانوي والخروج بحلول فقهيّة ، بلا حاجة لافتراض نقص الفقه وعدم تغطيته لهذه المساحات . وهنا يجيب سروش بأنّ هذا لا يُخرج الفقه من طابعه القانوني ولا يجعله مبرمجاً ، بل إنّ هذا ليس سوى تطبيق لنزعة مصلحيّة عقلائيّة بشريّة يُرجع فيها للعقل والتجربة الإنسانيّة ، ولا فرق فيها بين الفقه الإسلامي وغيره من سائر المنظومات القانونيّة في العالم ، ولا داعي لخلع
هامش
( 1 ) انظر : الفخر الرازي ، المطالب العالية من العلم الإلهي 8 : 115 .