وللتوضيح يطرح سروش أربعة أمثلة :
المثال الأوّل : الغسل بالماء القليل مرّتين وبالكثير مرّة واحدة ، حيث يعتبر ذلك هو الحدّ الأدنى للنظافة والطهارة ، ولا تقصد الشريعة من ذلك أنّك لو فعلت هذا فإنّ مختلف الأغراض والمستويات اللازمة لتحقيق الطهارة والسلامة والنظافة قد حصلت بالفعل ، بل تعني أنّ أدنى المراتب هو هذا ، دون أن يمنع ذلك من فرض مراتب عليا يلزمنا الرجوع إليها ، وسروش يطرح هذا المثال في سياق تعليقه على حادثة حصلت لأحد علماء الدين في الحجّ حيث بعد انتشار الوباء في إحدى السنوات امتنع رجل الدين هذا ومنع من معه من اتخاذ التدابير التي فرضتها الدولة في بلاد الحجاز ، مدّعياً أنّ ما جاءت به الشريعة كافٍ لتحقيق كلّ شيء ، وأنّه يكفي أن نغسل بهذه الطريقة ، وإلا لذكر الشرعُ ذلك وبيّن .
المثال الثاني : ما ينقله عن بعض الشخصيّات الرسميّة البارزة في الجمهورية الإسلاميّة في إيران ، من أنّ بعض علماء جماعة المدرّسين في قم أكّدوا أنّ تطبيق الخمس والزكاة يرفع كلّ المشاكل الاقتصادية في المجتمع ، وهذا ما ينتج في وعيهم أنّ الفقه يمكنه أن يحلّ جميع المشكلات الاقتصاديّة ، مع أنّ الخمس والزكاة لا يمثلان سوى الحدّ الأدنى ، الأمر الذي يحيجنا إلى حدود أعلى علينا متابعتها .
المثال الثالث : ما يتصوّره الكثير من العلماء من أنّ قطع يد السارق أو إجراء الحدود والقصاص يرفع السرقة والجريمة من المجتمع ، مع أنّ هذا لوحده لا يكفي بل يحتاج معه إلى سلسلة من البرامج الاقتصاديّة .
المثال الرابع : الاحتكار ، حيث يرى سروش أنّ هذه العناصر المحدودة المذكورة في الفقه ليست سوى الحدّ الأدنى ، وأنّنا بحاجة للكثير غير ذلك لوضع حدّ للظلم الاقتصادي ، وتأمين حماية المستهلك .
من هذه الأمثلة ، ينطلق سروش لاعتبار أنّ التصوّر السائد هو أنّ الدين والفقه مستودع يحتوي كلّ المتطلّبات ، ومن ثم فما فيه كافٍ لتحقيق كلّ الغايات التي نصبوا إليها ، وهو يرى أنّ هذا النمط من التفكير تقف خلفه رؤية ويُنتج بنفسه نتائج .
وبهذا يتوصّل سروش إلى أنّ الفقه لازمٌ وضروري ، ولكنّه ليس كافياً ، فقطع يد السارق لا يكفي لرفع السرقة ، بل هي أقلّ شيء ، ونحن بحاجة لبرامج اقتصاديّة واسعة كي نوفّر مناخاً
شمول الشريعة — صفحة 546
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٤٦