المعاش ويقع في طوله ، ويرى أنّ النظرة البراغماتيّة للدين غير صحيحة ؛ لأنّ سروش يرى أنّ الدين الأخروي الذي يتبنّاه ينظر للمعاد فقط ويسخّر الدنيا لذلك ، لكنّه يربط بين الدنيا والآخرة بأقلّ مراتب الربط وعلى قدر الحاجة أيضاً . وبعبارة أخرى : إنّ الدين الأخروي عند سروش يجعل كلّ أحكام الشريعة من سنخ العبادات ، ولا ينظر إليها إلا من هذه الزاوية . إنّه يعتبر أنّ الدين الأيديولوجي دينٌ ناقص أمّا الأيديولوجيا الدينيّة فهي دينٌ كاذب ، والدين الفقهي هو الدين المؤدلج ، فالدين أرقّ وأظرف من أدلجته .
وفي الوقت الذي يحمّل سروش العقل اليوناني الأرسطي مسؤوليّة تحويل الدين إلى أمر دنيوي ، وتأثر المسيحيّة والإسلام بذلك عبر التيّارات الأرسطيّة مع مثل توما الأكويني ( 1274 م ) وغيره . . يستفيد سروش - من وجهة نظره - من إفادات الإمام الغزالي ( 505 ه - ) في أنّ الفقه إذا أراد أن يكون دنيويّاً وأخرويّاً معاً فإنّ هذا الأمر غير ممكن ، ولا يؤدّي إلا إلى نفي وتعطيل الدنيا والآخرة معاً ، وبهذا يكون الخُمس عند سروش لرفع حبّ المال لا لبناء نظام اقتصادي يدير المجتمع ، ويحل كلّ معضلاته الماليّة والمعيشيّة .
وبهذا يبدو لي سروش ميّالًا للنزعة الأفلاطونيّة مقابل التوجّه الأرسطي ، فهو راغب في جعل الدين أفلاطونيّاً ومقترب جدّاً من عرفان جلال الدين الرومي ( 672 ه - ) ، ومن الأفلاطونيّة المحدَثة للقديس أوغسطين ( 430 م ) .
إنّ أدلجة الدين وتحويله إلى نظام ، سيؤدّي عند سروش إلى :
أ - الاصطدام بالفشل ؛ لأنّ هذه العمليّة غير ممكنة وفقاً لشروط الواقع .
ب - إلغاء شرط الإيمان والتقوى المأخوذين في تحصيل الفوز والفلاح والنجاة بهذا الدين ، وهو ما يناقض المعطيات الدينية نفسها ، وبهذا يكون هناك نوع من الصراع بين ( قدرة الدين على إدارة الدنيا ) ، و ( خلوص الدين وصفائه ) .
ج - زوال الإيمان الحرّ الذي هو جوهر التديّن ، والعملُ تابعٌ له .
وبهذا نعرف أنّ الأغراض التي جاء الدين من أجلها تكمن في :
أ - بعث الطمأنينة والاستقرار الروحي في الحياة ، عبر منح الإنسان طاقة الصبر على مواجهة المصائب والشرور والبلاءات ، وبهذا يحقّق الدينُ التوافقَ بين الذهن والعين ، ويحقّقُ الإيمانُ المصالحةَ بين الداخل والخارج .
شمول الشريعة — صفحة 544
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٤٤