تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 541

مساهمون:

ص٥٤١
فلن يتخذ شكلًا آخر ونمطاً آخر ، وهذا يعني أنّه لو نزل القرآن في بلاد اليونان فإنّ عرضيّات الإسلام ستتفاوت تفاوتاً عميقاً جداً عن الحالة التي هو عليها اليوم ، فالمنظومات اللغويّة والأنساق الثقافيّة والمفاهيميّة كلّها تترك تأثيراً ، تماماً كما نجد اليوم أنّ الناطقين بلغاتٍ متعدّدة وضمن ثقافات متنوّعة مثل الأتراك والفرس والعرب والأمازيغ والهنود وغيرهم لديهم إسلامات متعدّدة ، بدليل رصد أدبيّاتهم الدينيّة وطريقة تجلّي الإسلام في حياتهم . وبهذا يخلص سروش إلى أنّ اللغة وما تحمل ، والثقافة العربيّة وما تتضمّن ، هما من عرضيّات الإسلام ، وإلى هنا ينهي سروش روح النظريّة التي يريد طرحها ، ثم يشرع بإسقاطها على مختلف مساحات الدين . خامساً : إنّ القضايا العلميّة والطبية التي تضمّنتها النصوص القرآنيّة والحديثيّة كلّها من عرضيّات الدين ؛ إذ لا يُرتجى من الدين أن يحلّ مثل هذه القضايا ، حتى لو فرضنا أنّ كلّ هذه القضايا كانت صادقة وحقيقيّة مطابقة للواقع ، وهذا ما يجرّنا حتى إلى القضايا المتصلة بالعلوم الإنسانيّة مثل الاقتصاد والسياسة ، إذ هذه من عرضيّات الدين ، وليست من ذاتيّاته ؛ لأنّ الانتظار الحقيقي من الدين ليس أن يقوم بهذا . ليس هذا فحسب ، بل من العرضيّات أيضاً عند سروش كلّ تلك القصص والوقائع والحروب والعداوات والنفاق والتهم والمطاعن والشكاوى التي وردت في القرآن الكريم ، فكلّها عرضيّة بهذا المعنى ، بل إنّ جميع الأسئلة والأجوبة التي وقعت بين النبيّ والأئمّة وبين أصحابهم كلّها تقع في سياق الأمر العرضي ، ويستشهد سروش لهذا بآية ( المائدة : 101 - 102 ) ، إذ يعتبر أنّ مجرّد السؤال كان سيدفع لنزول تحريم أو إلزام ، وهذا يدلّ على أنّ الدين قد نما وازداد بفعل الأسئلة ، ولو أنّهم لم يسألوا النبيَّ لما كان الدين هكذا ، فكيف يمكن فرض هذه الأمور من الذاتيّات ؟ ! وعليه فكلّ الأسئلة والأجوبة هي من العرضيّات . سادساً : من هذا كلّه يُدخلنا سروش في الموقف من الفقه ، فهل الفقه من ذاتيات الدين أو من عرضيّاته ؟ إنّ الموقف الذي اتخذه سروش من ظاهرة الأسئلة والأجوبة يمنحه هنا قناعة بأنّ الفقه سيدخل في دائرة العرضيات ، لكنّ سروش لا يكتفي بهذا ، بل يذهب إلى أنّ الفقه يواجه نمطين من العرضيّة : النمط الأوّل : دنيويّة الفقه ، التي يأخذها سروش من أبي حامد الغزالي ، وسوف نشرح هذا