المفهوم عند سروش في الفقرات اللاحقة .
النمط الثاني : وهو ما يأخذه سروش من المتكلّم والمحدّث الهندي الشاه ولي الله الدهلوي ( 1114 ه - ) ، وهو أنّ التشريعات تخضع لظروف النبيّ نفسه ، وظروف المكلّفين من حوله ، ولهذا وجب الصوم الدائم على قوم نوح ؛ لأنّ بنيتهم كانت قويّة ، وحرّم بعض الطعام على بني إسرائيل ؛ لأنّ إسرائيل نفسه حرّم بعض المطعومات على نفسه كما يقول القرآن الكريم ، وهذا يعني أنّ السياقات المؤقّتة فرضت تشريعات ، وهذه التشريعات تزول تلقائيّاً بزوال هذه السياقات .
وبهذا يربطنا سروش بمقولة أنّ الكثير من التشريعات الفقهيّة تتصل بثقافة العرب وعاداتهم وتقاليدهم ، ولهذا حرّم عليهم الزواج من أخت الزوجة ، بينما لم يكن هذا حراماً عند اليهود ؛ لأنّهم يعتبرونها من قومٍ آخرين تابعين للأب ، وما يؤكّد هذا المعنى أنّ الكثير من التشريعات التي جاء بها الإسلام كانت موجودة عند العرب ، غاية الأمر أنّه صحّحها وأضاف أو أنقص منها أو عدّل شيئاً ، مثل مسألة الديات ، وقضيّة الرجم الذي كان موجوداً في اليهوديّة ، وهو ما كتب فيه العديد من الباحثين قبل سروش ، مثل الباحث المصري خليل عبد الكريم ( 2002 م ) ، خاصّة في كتابه ( الجذور التاريخيّة للشريعة الإسلاميّة ) « 1 » ، حيث تحدّث هناك عن تعدّد الزوجات ، والتفرقة بين العرب والعجم ، والتمييز بين العرب والأعراب ، والنظرة إلى الزراعة ، وموضوع الاستجارة والجوار ، وقضيّة حرمة النسب ، والاسترقاق ، والعاقلة ، والقسامة ، وخمس الغنائم ، والسلب ، والصفى ، والخلافة ، والشورى ، وغير ذلك .
يستنتج سروش من هذا كلّه ، أنّ النبيّ لو ظهر في قومٍ آخرين لهم عادات وتقاليد وظروف أخرى لجاء بسلسلة من التشريعات المختلفة ، فكأنّ بعض التشريعات التي جاءت ليست سوى بعض التنظيمات الزمنيّة لظروف مؤقته ومحليّة ، ولا تستطيع أن تتسلّل لكلّ زمانٍ ومكان ، وبهذا يخلص سروش إلى أنّ أكثر الأحكام الفقهيّة - بما فيها الضروريّات الفقهيّة - ليست سوى أمر زمني ، وهذا يعني أنّ الاجتهاد ليس هو مباحث الاستصحاب والعلم الإجمالي والبراءة ، بل هو فنّ الترجمة الثقافية ، فكيف نترجم ثقافيّاً كلّ تلك التشريعات في تلك الفترة بما يتناسب مع
هامش
( 1 ) انظر - على سبيل المثال أيضاً - : عبد الكريم زيدان ، المدخل لدراسة الشريعة الإسلاميّة : 17 - 37 .