تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦

الأرضيّة الفكريّة لقراءة سروش للفقه ، من تكامل المعرفة إلى بسط التجربة

ولكي نفهم المناخ الفكري العام لسروش ، يمكن عرض بعض أبرز أفكاره على شكل مختصرات ، تمهيداً لمعرفة نظريّته في الفقه والشريعة : 1 - نظريّة تكامل المعرفة الدينيّة ، وهي النظريّة التي استقى سروش معظم مكوّناتها من فلسفة العلوم ، ومن الدراسات الهرمنوطيقيّة الحديثة ، خاصّةً الفلسفيّة منها ، ومن الاتجاه الوجودي لأمثال هايدغر ( 1976 م ) . وتتلخّص الفكرة بأنّ العلوم على نوعين : منتِج ومستهلك ، وأنّ العلوم الدينيّة هي علوم مستهلكة ؛ لأنّها تستقي معطياتها من علوم اخر ، ومن ثم فأيّ تحوّل في العلوم المنتجة سيفضي لتحوّل في المعرفة الدينيّة نتيجة شبكة العلاقات الخفيّة بين العلوم ، وهذا ما يُنتج التفكيك بين الدين والنصّ الديني من جهة وبين المعرفة الدينيّة من جهة أخرى ، فالدين من الله لكنّ المعرفة بشريّة ، وبهذه الطريقة تنهار كلّ القداسة المخلوعة على المعرفة الدينيّة بغير وجه حقّ ، والتي منها المعرفة الفقهيّة . ومن رحم هذه النظريّة وفضاء أصولها التحتيّة ، يذهب سروش إلى أنّ الدين والشريعة حبال صمّاء لا جهة لها ، بمعنى أنّ الدين يمثل - كما جاء في القرآن الكريم - حبلًا غير مرشد إلى جهة معيّنة أو محدّدة ، فلا يحرّك الإنسان باتجاهٍ ما على المستوى العملي ، بل هو أخرس غير ناطق على المستوى النظري أيضاً . والذي يملك الجهة أو النطق هو الإنسان ، فإذا استغلّ الدين في الخير جرّه نحو الخير والفلاح ، وأمّا إذا استغلّه في الشرّ فسوف يُسقطه في الهاوية ، ولهذا ورد في بعض الآيات القرآنية أنّ القرآن
( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ )
( البقرة : 2 ) ، وأنّه
( شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ )
( الإسراء : 82 ) ، حيث خُصّصت الهداية والشفاء والرحمة بالمتّقين والمؤمنين ، فيما لا يزيد الكافرين إلا كفراً . كذلك النصّ والشريعة مبتليان بالخرس ؛ لأنّ النصوص - كالطبيعة المحيطة بنا - ليس فيها حكاية عن شيء ، وإنّما الإنسان هو الذي يُنطق الطبيعة بعلومه وأسئلته ، لا أنّها تحكي عن نفسها ، والنص كيان صامت تُنطقه الخلفيّات المعرفيّة لقارئه . 2 - التعدديّة الدينيّة ، وهي النظريّة التي تمثل شكلًا من أشكال الاستنتاج التلقائي من النظريّة السابقة ، حيث شادها سروش عليها واضعاً لها ما يقرب من عشرة أسس ، ومطلقاً عليها اسم ( الصراطات المستقيمة ) ، وكانت نُشرت في البداية عام 1997 م على شكل مقالة في