تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
من هنا نلاحظ كيف أنّ فريدريك دانيال ارنست شلايرماخر ( 1834 م ) أّلف أوائل كتبه الذي يستهدف الحوار مع الذين لديهم موقف من الدين وتوجّه قائم على النفرة منه واحتقاره ، ليضع له عنواناً متلائماً مع الفضاء العلماني الجديد ، حيث أطلق عليه (
On Religion Speeches to its Cultured Despisers
) « 1 » ، ليجعله يدور حول الدين عامّة ، على خلاف بدايات عصر الإصلاحات الديني في القرن السادس عشر ، حيث وجدنا أمثال مارتن لوثر ( 1546 م ) وجون كالفن ( 1564 م ) ، تتمركز مقولاتهم حول المسيحيّة لا حول الدين بوصفه ظاهرة عامّة . وهذا بعينه شهدناه مع رجالات النهضة الإسلاميّين في القرن العشرين ، حيث امتلأت كتبهم بعنوان ( الدين - الإيمان ) عموماً ، إلى جانب عنوان الإسلام ، وهذه في تقديري جدليّة عميقة في العلاقة بين التعميم والتحديد في مقاربة القضيّة الدينيّة . إنّ تحسّس الفكر الجديد من النزعة الإيمانيّة الدينية التبريريّة والدفاعيّة لرجال الدين ، دفع لظهور الدراسات الدينية الحرّة ، على يد أمثال ماكس مولر ( 1900 م ) وغيرهم ، وبهذا صار البحث الديني مخارجاً للنصّ أكثر من كونه متداخلًا معه أو مولوداً منه ، وأدّى هذا لظهور النزعة الخارج - دينيّة في فهم الدين ، فمن يحكم في الدين هو هذا التحليل العقلاني الإنساني المخارج له ، وليس النصّ هو الذي يحكم في هويّة ذاته ، وقد تعزّز هذا الموقف عبر الدراسات الهرمنوطيقيّة الحديثة ومباحث فلسفة العلوم . طبعاً ظلّ البحث الديني متجاذباً بين الداخل والخارج إلى يومنا هذا ، ففيما رجّح الكثيرون المدخل الإنساني العام الخارج - ديني ، رأى آخرون وجود خلل عميق في هذا المنهج ، مثل كارل بإرث ( 1968 م ) ، الذي كان يعتقد بأنّ الدخول على الدين من خارجه لن يوصلنا إلى جوهره ؛ لأنّ الدين ليس نتيجاً إنسانيّاً بل هو منتج إلهي ، وفي هذا التقرير المسبق لا يمكن لي أن أصل لجوهر الدين إلا من داخله ؛ لأنّ الدين يستهدف أن يغيّرني في رؤتي للأشياء والعالم والوجود والإنسان ، فإذا أسقطتُ عليه مقاربتي الإنسانيّة المسبقة ودفعته للصمت ، فلن أتمكّن على الإطلاق من الوصول إلى رسالته الأصليّة ، فالبحث الخارج - ديني هو في الأصل قائم على
هامش
( 1 ) نشر هذا الكتابَ دارُ الرافدين عام 2017 م ، مترجماً للعربيّة ، تحت عنوان ( حول الدين ، خطابات إلى محتقريه من المثقّفين ) ، كما نشرته دار التنوير ومركز دراسات فلسفة الدين في بغداد في العام نفسه بترجمة أخرى .