ما أزال أميل إلى أنّ الرجل لم يقصد هذا المدى البعيد من الفكرة ، ومن الممكن جداً أنّه قصد أنّ كليّات العمل السياسي والسلطوي تؤخذ من الدين ، وأنّ الدين له سلطنة وإشراف على الحياة السياسية والاجتماعيّة ، لكنّ تفاصيل إدارة هذه الحياة لا تُطلب من الدين ، والآليّات والخطط والبرامج والطرق الجزئيّة ونوع تكوين السلطة لا تؤخذ سوى من عقل الإنسان وتجاربه ، وهذا كلام يمكن الموافقة على نسبة كبيرة منه ، على بيانٍ سوف نتعرّض له لاحقاً عند عرض نظريّتنا الخاصّة في موضوع مساحة الشريعة في الحياة بحول الله تعالى .
كما ولابدّ لي أن أضيء أخيراً على أنّ العقبة الأساسيّة التي تواجه نظريّة الرساليّة والاخرويّة هي التراث النصّي الهائل المرتبط بقضايا الإنسان الدنيويّة وشؤون حياته الاجتماعيّة والسياسيّة ، وفي تقديري لم تُفلح نظريّات أمثال عبد الرازق وبازرگان وغيرهما في تقديم فهم معمّق يمكنه أن يتخطّى هذا التراث ، فلا يمكن أن أبني نظريّةً تتصل بالإسلام ، وليس عندي من تفسير لهذا التراث النقلي والفقهي ، وإلا فسيكون حالي كمن يصنع سيارة تسير فقط على الثلوج ، ليبيعها لسكّان الصحراء !
وختاماً ، أعتقد بأنّ بازرگان وعبد الرازق وغيرهما كانوا - على حدّ توصيف سروش لشريعتي « 1 » - يحملون إحساساً بالألم والوجع من جهة ، ويحملون وعياً بالمرض من جهةٍ أخرى ، وإذا كان المفكّرُ لا يقدر على وضع الأجوبة للأسئلة التي يثيرها ، فإنّ طرحه الأسئلة وإحساسه بالمشكلة هو في نفسه خطوة متميّزة ، فإنّ المفكّر لا يُقاس دوماً بأجوبته ، بل كثيراً ما يُقاس بأسئلته المستجدّة . ومتابعةُ الكبار لا تكون باتّباعهم فيما هم ضعفاء فيه ، بل باتّباعهم فيما هم فيه أقوياء ، كما علينا الانتباه لفصل الأعمال العلميّة للمفكّرين عن مشاعرهم في لحظتهم الزمنيّة ، تلك المشاعر التي قد تدفعهم إحياناً ناحية الإفراط أو التفريط ، فنحن مطالبون بنقد روح الفكرة لا شكلها البياني أو فضائها الحسّاس الزمكاني .
هامش
( 1 ) انظر : سروش ، قصه أرباب معرفت 1 : 357 ، 358 ، 382 ، 397 .