تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
وإن كان يمكن أن نوافقه عليه بدرجة معتدّ بها ، إلا أنّنا لا نوافقه على حصره هو البيئة الحاضنة بعدم وجود الدولة الدينيّة ، فلا وجود الدولة ولا عدم وجودها شرطاً لازماً وأبديّاً في تبلور البيئة الحاضنة للإيمان « 1 » ، بل هذه قضايا متغيّرة وتتبع ظروفها وملابساتها الزمكانيّة ، ولا نستطيع الخروج بقاعدة عامّة ممتدّة في الزمان والمكان ما دمنا لا نعرف المستقبل كلّه ، وعلينا عدم تعميم التجربة الجزئية لأخذ قاعدة كليّة منها ، وإن كانت التجربة الجزئيّة تدفعنا للحذر والحيطة من سائر التجارب وفيها . وتجارب مثل تجارب الدولة العباسيّة والأمويّة والصفويّة والقاجاريّة لا ينبغي أن تحسب من تجارب الدولة الدينيّة بالمعنى الذي يطرحه الإسلاميّون اليوم ؛ إذ من الواضح أنّ هذه الدول لا يعتبرها الإسلاميّون دينيّةً ؛ لأنّها لم تقم على قاعدة تطبيق الشريعة من وجهة نظرهم ، فكيف يمكن أن نأخذ أو نحتجّ عليهم بمثل هذه التجارب أو أن نؤاخذهم بسلوك كلّ من سمّى نفسه خليفة كما فعل بازرگان وعلي عبد الرازق معاً ؟ ! وبكلمة أخيرة : إنّ عبد الرازق وبازرگان نظرا إلى دنيويّة الدين أو إلى السلطة والدولة من منظار النظريّة التي كانا يواجهانها أو الأسلوب الذي كانا ينتقدانه في الإدارة والحكم ، فبدل أن يسجّلا ملاحظاتهما على الأساليب والأشكال عمّماها لأصل تدخّل الدين في الدنيا ، فوقعا في الإشكاليّات التي وقعا فيها ، ويبدو أنّهما كانا يريدان الوصول إلى نوع من الإسلام العلماني أو المسلم العلماني ، بشكلٍ يحافظ فيه على الدين من جهة والإدارة البشريّة للدنيا من جهة أخرى ، وأنّه بهذه الطريقة يمكن تخطّي تجربة الإسلام السياسي التي عرفها القرن العشرين وإلى اليوم في إيران والعالم العربي ، وفي العالم الإسلامي عامّة ، كما يمكن ضمان عدم العودة إلى عصر ما سمّي بالخلافة العثمانية . إنّ نظريّة رساليّة الدين واخرويّته التي قدّمها أمثال علي عبد الرازق ومهدي بازرگان قابلة للنقد والتحليل ، لكنّنا نكتفي بهذا القدر حولها ؛ نظراً لاهتمامنا هنا بها من زاوية الحديث عن الجامعيّة والشموليّة فقط ، لكن لابدّ لي من أن أشير أخيراً إلى أنّ كلمات بازرگان الأخيرة وإن كانت قريبة جدّاً من توجّهه للقطيعة بين الدين والسلطة ، لكنّني من خلال جمع كتبه ونصوصه
هامش
( 1 ) وبتعبير المناطقة والفلاسفة : لا هي بنحو البشرط شيء ، ولا بنحو البشرط لا ، بل هي بنحو اللا بشرط .