النظريّة الثانية نظريّة عَرَضيّة الشريعة وفرديّتها
مدخل
ربما يبدو مفهوم الدين (
Religion )
واضحاً عند الكثيرين في الوسط الإسلامي ؛ لأنّ هذه المفردة تمّ استخدامها في النصّ الديني الأصلي عند المسلمين وتداولها في تراثهم الديني منذ القرون الهجريّة الأولى ، لكنّ الأمر لم يكن كذلك في الغرب ، فالمسيحيّة ظلّت تستخدم بشكل أكبر مفردة الإيمان (
Faith )
للتعبير عن الديانة المسيحيّة ، وثمّة من يعتبر أن ظهور مفردة الدين كان من قبل التيارات الأكثر علمانيّة في المجتمع الغربي ، وانطلاقاً من هذا الواقع التاريخي ، صارت كلمة الدين تمثل رؤية عامة للأديان ، أكثر ممّا تمثل رؤية خاصّة بدين معيّن ، وصار البحث حول الدين عموماً قضيّة جادّة تفترض ضرورة مقاربته مقاربة أوّليّة ، تمهيداً للدخول في المرحلة اللاحقة المتمثلة بالحديث عن دين خاصّ أو عن الإيمان المسيحي أو الإسلامي ؛ لأنّ التحدّيات الفكريّة والفلسفية التي شهدها الغرب بعد عصر النهضة صارت تطال الكائن الديني بما هو ديني ، ولم تطرح نفسها بوصفها تطال - فقط - ديناً بعينه ، لترى الخلاص في التحوّل عنه إلى دين آخر ، فلم يكن هذا الخيار موجوداً ، ومن هنا شعر المناخ الديني بأنّه صار مطالباً بالبحث عن الدين بوصفه هويّة متعالية عن صفة المسيحية أو الإسلام أو اليهوديّة أو غير ذلك ، وهو يخوض حواره مع الآخر المخارج للدين بالمفهوم السائد .
إذا صحّ هذا التحليل التاريخي الذي يقدّمه بعضٌ ، فنحن نلاحظ كيف أنّ هويّة الدين بشكل عام ، وليس هويّة هذا الدين أو ذاك ، صارت موضوعاً للبحث ، وتمّ تناولها هذه المرّة من زاوية مخارجة لدينٍ معيّن ، خاصّة في فضاء الدراسات الدينيّة الحرّة ، عنيتُ الدراسات التي لم تخرج من رحم الدفاع عن ديانة بعينها ، بل من رحم أخذ الدين موضوعاً لدرسها ، لا غايةً له .