حيث يتوفّر لها موقف ، والإجماع الذي انعقد على ضرورة الخليفة والمقاربة العقلية التي استندوا إليها لا يُنتجان - في تقديري - إلا كليّة ضرورة التنظيم الذي ما زلنا نتصوّره قائماً على مفهوم الحكم ، فالمقاربة إلى يومنا هذا منطقيّة تماماً ، غاية الأمر أنّنا بحاجة لتطوير فقهيّ اجتهادي يتلافى قدسيّة الخليفة من جهة ، ويسمح بنقده وعزله من جهة ثانية ، ويعطي لسائر القوى السياسيّة في المجتمع حريّاتها وقدرتها على التأثير العام بما يوفّر تداول السلطة الزمنيّة من جهة ثالثة .
إنّ الفقه يتضمّن منظومة قانونيّة ، وهذه المنظومة تحتاج في عمليّة تسييلها على أرض الواقع إلى صيغة ، وهذه الصيغة هي استدعاءٌ زمني تاريخي لتطبيق تلك المنظومة ، سواء سمّيناها حكماً وسلطاناً أو لا ، فأيّ صيغة تسمح بذلك وتكون راعيةً لشؤون تطبيق الشريعة تكون هي ( الخليفة ) ، فرداً أو جهة أو إطاراً أو غير ذلك ؛ فالخليفة هو راعي تطبيق الشريعة وإقامة العدل والمصالح النوعيّة ، وهذا هو امتيازه عن مطلق السلطة في غير دائرة الإسلام .
كما أنّ حديث بازرگان عن الإخفاق في إقامة دولة دينيّة ؛ لأنّنا نستمدّ وضعنا الإداري من الدين مع أنّه لا يملك برنامجاً ، الأمر الذي سيوصل إلى الفشل ، ثم إلى ظهور حالة إحباط عامّة في المجتمع ورفض للدين وخيبة أمل منه واتخاذ مواقف سلبيّة من الدين نفسه ، بل سيؤدي ذلك أيضاً إلى التكاسل عن وضع حلولٍ ما دامت تُرتجى من النصوص نفسها . . هو كلام دقيق عندما نتبنّى الدين والفقه بحدّهما الأعلى الذي يرى أنّ كلّ صغيرة وكبيرة موجودة في النصوص ، وأنّ علينا الرجوع للنصوص لحلّ جميع القضايا ووضع جميع البرامج . نعم هذا النوع من الفهم الأعلائي للشريعة والنصّ هو فهم يفضي إلى النتيجة التي يحذّر منها بازرگان ؛ لأنّنا نوافقه في أنّ النصوص لا تحوي جميع العلوم والفنون ولا كافّة الخطط والبرامج ، فالفقه - كما يقول سروش مُحِقّاً « 1 » - سلسلة قوانين ، والقوانين ليست هي البرامج والخطط التي تضعها الدولة ، بل القوانين جزء من العناصر التي تساعد على قيامة الدولة ، وابتلاع الفقه والقانون لسائر الوظائف التي تقوم الدولة عليها هو الذي سينتج نتائج كارثيّة بالتأكيد .
هذا ، وحديث بازرگان عن أنّ التيار الإسلامي حصر البيئة الحاضنة للإيمان بوجود الدولة ،
هامش
( 1 ) انظر : مدارا ومديريّت : 139 .